الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
398
مناهل العرفان في علوم القرآن
مع فكّ الإدغام ، وهي فيها بهذا الرسم . فأكبر الظن أن هذا المصحف منقول من المصاحف العثمانية على رسم بعضها . وكذلك المصحف المحفوظ بتلك الخزانة ويقال إن علىّ بن أبي طالب رضى اللّه عنه كتبه بخطه ، يلاحظ فيه أنه مكتوب بذلك الخط الكوفي القديم . بيد أنه أصغر حجما ، وخطه أقل تجويفا من سابقه ، ورسمه يوافق غير المدني والشامي من المصاحف العثمانية ، حيث رسمت فيه الكلمة السابقة « من يرتدّ » بدال واحدة مع الإدغام ، وهي في غيرهما كذلك . فمن الجائز أن يكون كاتبه عليا ؛ أو يكون قد أمر بكتابته في الكوفة . ثم إن عدم بقاء المصاحف العثمانية قاطبة لا يضرنا شيئا ما دام المعول عليه هو النقل والتلقي ثقة عن ثقة ، وإماما عن إمام ، إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وذلك متواتر مستفيض على أكمل وجه في القرآن حتى الآن . على أن المصاحف العثمانية نسخت على غرارها الآلاف المؤلفة في كل عصر ومصر ، مع المحافظة على الرسم العثماني ؛ كما سيجئ إن شاء اللّه ، فاصبر « وما صبرك إلّا باللّه » . المصاحف في دور التجويد والتحسين : كانت المصاحف العثمانية أشبه بماء نزل من السماء ، فأصاب أرضا خصبة صالحة ، ولكنها ظامئة متعطشة . فما كاد يصل إليها الماء حتى اهتزّت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ! كذلك المصاحف الشريفة ، ما كاد عثمان يرسلها إلى الآفاق الإسلامية حتى أقبلت عليها الأمة من كل صوب وحدب ، وحتى اجتمعت عليها الكلمة في الشرق والغرب ، وحتى نسخت على غرارها آلاف مؤلفة من المصاحف المقدسة في كل جيل وقبيل .