الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

380

مناهل العرفان في علوم القرآن

من جراء هذا التناقض الظاهر بين وصفهما نسّاخ المصحف بأنهم أحسنوا وأجملوا ، ووصفهما المصحف الذي نسخوه بأن فيه لحنا . وهل يقال للذين لحنوا في المصحف : أحسنتم وأجملتم ؟ . اللهم إلا إذا كان المراد معنى آخر ثانيا : أن المعروف عن عثمان في دقته وكمال ضبطه وتحرّيه يجعل صدور أمثال هاتين الروايتين من المستحيل عليه . انظر إلى ما سبق من دستوره في جمع القرآن . ثم انظر إلى ما أخرجه أبو عبيد عن عبد الرحمن بن هانئ مولى عثمان قال : كنت عند عثمان وهم يعرضون المصاحف فأرسلني بكتف شاة إلى أبىّ بن كعب فيها « لم يتسنّ » وفيها « لا تبديل للخلق » وفيها « فأمهل الكافرين » فدعا بدواة فمحا أحد اللامين وكتب « لخلق اللّه » ومحا « فأمهل » وكتب « فمهل » وكتب « لم يتسنه » فألحق فيها الهاء . قال ابن الأنباري : فكيف يدعى عليه أنه رأى فسادا فأمضاه ؟ وهو يوقف على ما يكتب ويرفع الخلاف الواقع من الناسخين فيه ، فيحكم بالحق ويلزمهم إثبات الصواب وتخليده ا ه . ثالثا على فرض صحة ما ذكر يمكن أن نؤوله بما يتفق والصحيح المتواتر عن عثمان في نسخ المصاحف وجمع القرآن ، ومن نهاية التثبت والدقة والضبط . وذلك بأن يراد بكلمة « لحنا » في الروايتين المذكورتين قراءة ولغة . والمعنى أن في القرآن ورسم مصحفه وجها في القراءة لا تلين به ألسنة العرب جميعا ، ولكنها لا تلبث أن تلين به ألسنتهم جميعا بالمران وكثرة تلاوة القرآن بهذا الوجه . وقد ضرب بعض أجلاء العلماء لذلك مثلا كلمة ( الصراط ) بالصاد المبدلة من السين فتقرأ العرب بالصاد عملا بالرسم ، وبالسين عملا بالأصل .