الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

354

مناهل العرفان في علوم القرآن

والجواب أن هذه الشبهة لا ترد على القول بأن الترتيب اجتهادي ، ولا على القول بأن منه اجتهاديا ومنه توقيفيا . أما الأول فظاهر ، وأما الثاني فلأن اجتهاد عثمان كان فيما لم يرد فيه توقيف من الشارع . أما القول بأن ترتيب السور كله توقيفى ، فقد أجابوا على هذه الشبهة بجوابين : ( أولهما ) : أن حديث ابن عباس هذا غير صحيح لأن الترمذي - وهو راويه - قال في تخريجه إنه حسن غريب لا يعرف إلا من طريق يزيد الفارسي عن ابن عباس . ويزيد هذا مجهول الحال فلا يصح الاعتماد على حديثه الذي انفرد به في ترتيب القرآن . ( ثانيهما ) : أنه على فرض صحّته يجوز أن جواب عثمان لابن عباس كان قبل أن يعلم بالتوقيف ثم علمه بعد ذلك . لكن يرد على هذا الجواب أن الرواية تفيد أن جواب عثمان هذا كان بعد جمع القرآن وترتيب سوره ، فكيف كان توقيفيّا وعثمان هو الجامع والمرتّب ولا يعلم دليل التوقيف ؟ . المبحث العاشر في كتابة القرآن ورسمه ومصاحفه وما يتعلق بذلك ا - الكتابة معروف أن الأمة العربية كانت موسومة بالأمية مشهورة بها لا تدرى ما الكتابة ولا الخط . وجاء القرآن يتحدّث عن أميتها هذه فقال : « هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ » . ولم يشذّ عن هذه القاعدة إلا أفراد قلائل في قريش ، تعلّموا الخط ودرسوه قبيل الإسلام ،