الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
347
مناهل العرفان في علوم القرآن
المئين ، فقرنتم بينهما ، ولم تكتبوا بينهما سطر « بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » ووضعتموها في السبع الطوال ؟ فقال عثمان رضى اللّه عنه : « كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تنزل عليه السور ذوات العدد ، فكان إذا أنزل عليه شئ دعا بعض من يكتب فيقول : ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا » . وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة ، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا . وكانت قصتها شبيهة بقصتها . فظننت أنها منها . فقبض رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يبين لنا أنها منها ، فمل أجل ذلك قرنت بينهما . ولم أكتب بينهما سطر « بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » ووضعتهما في السبع الطوال » ا ه . ويمكن أن يناقش هذا المذهب بالأحاديث الدالة على التوقيف وستأتيك في الاحتجاج للقول الثاني . ويمكن أيضا مناقشة دليلهم الأول باحتمال أن اختلاف من خالف من الصحابة في الترتيب ، إنما كان قبل علمهم بالتوقيف ، أو كان في خصوص ما لم يرد فيه توقيف دون ما ورد فيه . ويمكن مناقشة دليلهم الثاني بأنه خاص بمحل وروده ، وهو سورة الأنفال والتوبة ويونس ، فلا يصح أن يصاغ منه حكم عام على القرآن كله . القول الثاني : أن ترتيب السور كلها توقيفى بتعليم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم كترتيب الآيات وأنه لم توضع سورة في مكانها إلا بأمر منه صلّى اللّه عليه وسلّم . واستدلّ أصحاب هذا الرأي بأن الصحابة أجمعوا على المصحف الذي كتب في عهد عثمان ولم يخالف منهم أحد . وإجماعهم لا يتم إلا إذا كان الترتيب الذي أجمعوا عليه عن توقيف ، لأنه لو كان عن اجتهاد لتمسك أصحاب المصاحف المخالفة بمخالفتهم . لكنهم لم يتمسكوا بها بل عدلوا عنها وعن ترتيبهم ، وعدلوا عن مصاحفهم وأحرقوها ، ورجعوا إلى مصحف عثمان وترتيبه جميعا . ثم ساقوا روايات لمذهبهم كأدلة يستند إليها الإجماع .