الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
327
مناهل العرفان في علوم القرآن
« إني وقتلى سليكا ثم أعقله * كالثّور يضرب لمّا عافت البقر » ثم جاء دور عثمان وعلى ، فحذوا حذو أبى بكر وعمر ، إذ أوى الكتاب في كنفهما إلى ركن ركين وظل ظليل ، وبقيت السنة في عهدهما رفيعة العماد ، قوية السّناد ، حتى تلقّاها بنو أمية على ما تركها الخلفاء ، بيضاء مشرقة ، ليلها كنهارها . ولبثت السنة في العهد الأموي معتصمة بعزّتها ومنعتها ، حتى طلع نجم الملك العادل عمر بن عبد العزيز ، على رأس المائة الثانية فردّد صدى جدّه عمر بن الخطاب ، في ضرورة صون السنة ووعيها ، ولكن رأى أن يكون ذلك عن طريق الكتابة والنقش في السطور ، بعد أن وعيت في العهد الماضي عن طريق الحفظ في القلوب والصدور . وبذلك انتقل الحديث النبوي إلى دور جديد سعيد ، هو دور التأليف والكتابة والتقييد ، مما كان له أبلغ الأثر في وصوله إلينا موزونا بأدقّ موازين العلم والبحث الدقيق . نتيجة ذلك ولقد كان من نتيجة ذلك كله أن أحيط الكتاب والسنة بسياج من الفولاذ والحديد ، وأن حفظ الدين من العبث بأصول التشريع ، وأن أخذ خلف الأمة درسا قيّما عن سلفهم الصالح في ضرورة الاستبراء للدين ، واليقظة في حراسة الكتاب والسنة ، ووجوب نقد الرّواة وفحص المرويّات . وبهذا أيضا أخذ الطريق على الدس والدساسين وحيكت الشّباك للدجالين والوضّاعين ، وأصبح الدين الإسلامي منيع الحوزة ، محفوظ الذمار ، إلى درجة تفاخر بها شعوب العالم ؛ وأمم الأرض ، وأديان الدنيا ، مما لا يكاد يوجد مثله ولا قريب منه في تاريخ أية شريعة من الشرائع السماوية والوضعية ، منذ خلق اللّه السماوات والأرض إلى يوم الناس هذا ! .