الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

325

مناهل العرفان في علوم القرآن

لا يأذن له ، ولا ينظر إليه . فقال : يا ابن عباس ، ما لي لا أراك تسمع لحديثى ، أحدّثك عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولا تسمع ! فقال ابن عباس : إنّا كنّا مرة إذا سمعنا رجلا يقول : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ابتدرته أبصارنا ، وأصغينا إليه بآذاننا ، فلما ركب الناس الصعب والذّلول ، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف . ومن هذا الورع البالغ والحذر الدقيق ، تحرّج كثير من أكابر الصحابة عن الرواية والتحديث ، فلم يسمع منهم إلا النزر اليسير ، مع أن لديهم من رسول اللّه الغمر الكثير . يحدّث ابن الزبير - رضى اللّه عنه - فيقول : قلت لأبى : ما لي لا أسمعك تحدّث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كما يحدث فلان وفلان ؟ فقال : أما إنّى لم أفارقه منذ أسلمت ولكني سمعته يقول : من كذب علىّ متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النار » رواه البخاري وأبو داود . وإذا كان هذا مظهرا من مظاهر حذرهم واحتياطهم للسنّة النبوية ، فما ذا تقدر من مظاهر حذرهم واحتياطهم لكتاب اللّه العزيز ؟ ! إني أعتقد أنك إذا رجعت إلى أدلة نزول القرآن على سبعة أحرف ، تشاهد العجب العاجب من روائع هذه المظاهر . فهذا عمر يأخذ بخناق هشام بن حكيم ويسوقه إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وما نقم عليه إلا أنه قرأ سورة الفرقان على وجه لم يقرأه عمر ، ولم يكن يعرف عمر أنه هكذا نزل ، ولم يرسل عمر هشاما حتى انتهى به إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأمره الرسول أن يرسله ، ثم استقرأهما عليه الصلاة والسلام ، وقال في قراءة كليهما : « هكذا أنزلت » . وقال : « إنّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرءوا ما تيسر منه » هذا ملخّص ما كان بين عمر وهشام ، ومثل ذلك وقع من أبي بن كعب وعبد اللّه بن مسعود وغيرهما مع أصحابهم ، مما تعرضه عليك الروايات المبسوطة هناك في هذا الموضوع ! .