الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

320

مناهل العرفان في علوم القرآن

ولم يعرف التاريخ ولن يعرف قدوة أسمى ، ولا أسوة أعلى ، ولا إمامة أسنى ، من محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، في كافّة مناحى الكمال البشرى ، خصوصا خلقه الرضىّ ، وأدبه السنىّ ، ولا سيما صدقه وأمانته ، وتحرّيه ودقّته ! . أجل : فقد كان صلّى اللّه عليه وسلّم مشهورا بالصدق ، معروفا بالأمانة ، حتى من قبل بعثته ورسالته ، فكان إذا سار أشاروا إليه بالبنان ؛ وقالوا : هذا هو الصادق ، وإذا حكم رضوا حكومته وقالوا : هذا هو الأمين ! وكانت هذه الفضائل المشرقة فيه ، من بواعث إيمان المنصفين من أهل الجاهلية به . ولقد اضطرّ أن يشهد له بها أعداؤه الألدّاء ، كما آمن بها أتباعه الأوفياء ! فهذا أبو سفيان بن حرب زعيم حزب المعارضة له يقرّ بين يدي قيصر الرّوم بصدق محمد وأنهم لم يحفظوا عليه كذبة واحدة قبل رسالته ، ويكاد يؤمن القيصر متأثّرا في جملة ما تأثّر ، بهذه الشهادة التي انطلق بها لسان ألدّ خصوم محمد يومئذ ، ثم يقول في التعليق على كلام أبي سفيان والتنويه بصدق محمد عليه الصلاة والسلام : « بما كان ( أي محمد ) ليذر الكذب على الناس ويكذب على اللّه » ! والحديث طويل مشهور يرويه البخاري في صحيحه . فراجعه إن شئت . وهذا قائل قريش يقول للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم في معرض من المعارض : إنا لا نكذّبك ولكن نكذّب ما جئت به . وبسبب ذلك أنزل اللّه تعالى : « فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ » . ومما يذكر بالإعجاب والفخر لنبي الإسلام صلّى اللّه عليه وسلّم أنه عرض الإسلام على بنى عامر بن صعصعة ، وذلك قبل الهجرة ، وقبل أن تقوم للدين شوكة ، فقال كبيرهم : أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك ، ثم أظهرك اللّه على من خالفك ، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟ فأجابه صلّى اللّه عليه وسلّم بتلك الكلمة الحكيمة الخالدة :