الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

319

مناهل العرفان في علوم القرآن

« جاء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى بيتنا وأنا صبىّ صغير ، فذهبت لألعب ، فقالت أمّى : تعال حتى أعطيك . فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : وما أردت أن تعطيه ؟ قالت : تمرا . فقال : أما إنّك لو لم تفعلي لكتبت عليك كذبة » ! تصوّر في هذه التربية السامية كيف لم يسمح الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لأمّ أن تعد طفلها الصغير وعدا غير صادق ، بل يسائلها : ما الذي كانت تعطيه لو جاء ؟ ثم يقرر أنها لو خاست بعهدها هذا لكتبها اللّه عليها كذبة ! وهكذا يكتفى بذكر كلمة « كذبة » في هذا المقام ردعا لها وزجرا ومنه تعلم أن لفظ الكذب كان سوط عذاب يخيف الصحابة رجالا ونساء . وذلك لما يسمعون عنه من شناعة ، ولما يعرفون فيه من بشاعة ! ولما تأصّل في نفوسهم من فضيلة الصدق وشرف الحق ! أفبعد هذه التربية العالية يصحّ أن يقال : إن الصحابة يكذبون على اللّه ورسوله ولا يتثبّتون ! ألا إن هؤلاء من إفكهم ليهرفون بما لا يعرفون ، ويسرفون في تجريح الفضلاء واتهام الأبرياء ولا يستحون ، فويل لهم من يومهم الذي يوعدون ! . العامل التاسع القدوة الصالحة ، والأسوة الحسنة ؛ التي كانوا يجدونها في رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ماثلة كاملة ، جذّابة أخّاذة . ولا يعزبنّ عن بالك أن القدوة الصالحة خير عامل من عوامل التعليم والتربية ، والتأديب والتهذيب ، خصوصا بين نبىّ ومتّبعيه ، وأستاذ ومتعلّميه ، ورئيس ومرءوسيه ، وراع ورعيته . وها نحن أولاء نرى علماء النفس والاجتماع ، وأقطاب التربية والتعليم ، وبناة الأخلاق والأمم : نراهم لا يزالون يتحدّثون في القدوة الصالحة ، ويوصّون بالقدوة الصالحة ، ويبحثون عن القدوة الصالحة وذلك لمكانتها من التأثير والإصلاح ، والتقويم والنجاح ، في الأفراد والأمم على سواء ! ! .