الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
303
مناهل العرفان في علوم القرآن
فيقول : « من كانت الآخرة همّه جعل اللّه غناه في قلبه ، وجمع له شمله ، وأتته الدّنيا وهي راغمة . ومن كانت الدنيا همّه جعل اللّه الفقر بين عينيه ، وفرق اللّه عليه شمله ، ولم يأته من الدّنيا إلا ما قدّر له » رواه الترمذي . وها هو صلّى اللّه عليه وسلّم يحرّض المؤمنين على القتال ويحثهم على الدفاع والنضال ، فيقول : - « تضمّن اللّه لمن خرج في سبيل اللّه ، لا يخرجه إلّا جهاد في سبيلي ، وإيمان بي ، وتصديق برسلي ، فهو علىّ ضامن أن أدخله الجنّة ؛ أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة . والذي نفس محمد بيده ما من كلم يكلم في سبيل اللّه إلّا جاء يوم القيامة كهيئته يوم كلم ؛ لونه لون دم ، وريحه ريح مسك . والذي نفس محمّد بيده لولا أن أشقّ على المسلمين ما قعدت خلاف سريّة تغزو في سبيل اللّه عزّ وجلّ أبدا . ولكن لا أجد سعة فأحملهم ، ولا يجدون سعة فيتبعوني ويشقّ عليهم أن يتخلّفوا عنى والذي نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل اللّه فأقتل ، ثمّ أغزو فأقتل » أخرجه الثلاثة والنسائي . فأنت ترى في هذه الكلمات النبوية قوة هائلة محولة ؛ تجعلها ماثلة في الأذهان ، كما تجعل النفوس رخيصة هينة في سبيل الدفاع عن الدين والأوطان . حتى لقد كان الرجل يستمع إلى هذه المرغبات والمشوّقات وهو يأكل ، فما يصبر حتى يتم طعامه ، بل يرمى بما في يده ، ويقوم فيجاهد متشوقا إلى الموت ، متلهفا على أن يستشهد في سبيل اللّه . كذلك أخرج مالك عن يحيى بن سعيد : « أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رغّب في الجهاد وذكر الجنة ورجل من الأنصار يأكل تمرات ، فقال : إني لحريص على الدنيا إن جلست حتى أفرغ منهن ، فرمى ما في يده ، وحمل بسيفه ، فقاتل حتى قتل » .