الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
299
مناهل العرفان في علوم القرآن
يروى البخاري عن النعمان بن بشير أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « مثل القائم في حدود اللّه والواقع فيها ، كمثل قوم استهموا في سفينة ، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها . وكان الذي في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم ، فقالوا : لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا . فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا . وإن أخذوا على أيديهم نجوا ، ونجوا جميعا » . ومن وسائل إيضاحه صلّى اللّه عليه وسلّم أسئلته التي كان يلقيها على أصحابه ، فيوقظ بها انتباههم ، ويرهف بسببها شعورهم ، حتى يستقبلوا هديه بنفوس عطاش ، وقلوب ظماء ، فيستقرّ فيها أثبت استقرار ، ويعلق بها علوق الروح بالأجسام . وإليك مثلا واحدا عن أبي هريرة رضى اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « أتدرون من المفلس ؟ قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا دينار ولا متاع . فقال : إنّ المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ، ويأتي وقد شتم هذا ، وقذف هذا ، وأكل مال هذا وسفك دم هذا ، فيعطى هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه ، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ، ثمّ طرح في النّار » رواه مسلم . ومن العجائب في وسائل إيضاحه عليه الصلاة والسلام أنه كان يستعين برسم يديه الكريمتين على توضيح المعاني وتقريبهما إلى الأذهان ، مع أنّه النبي الأمى الذي لم يقرأ كتابا ، ولم يجلس إلى أستاذ ، ولم يذهب إلى مدرسة ، ولم يدرس الرسم ولا الهندسة . نقرأ في صحيح البخاري عن ابن مسعود رضى اللّه عنه قال : « خطّ لنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم خطّا مربّعا ، وخطّ وسطه خطّا ، وخطّ خطوطا إلى جنب الخط ( أي الذي في الوسط ) ، وخطّ خطّا خارجا . فقال : أتدرون ما هذا ؟ قلنا : اللّه ورسوله أعلم . قال : هذا الإنسان ( يريد الخط الذي في الوسط ) وهذا الاجل محيط به ( يريد الخط المربع )