الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
298
مناهل العرفان في علوم القرآن
ذلك لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان أفصح الناس لسانا ، وأوضحهم بيانا وأجودهم إلقاء ، ينتقى عيون الكلام وهو الذي أوتى جوامع الكلم ، ويفتتح الكلام ويختتمه بأشداقه ويفصله تفصيلا يراعى فيه المقام والأفهام ، ولا يسرد الحديث سردا يزرى برونقه أو يذهب بشيء منه ، بل يتكلم كلاما لو عدّه العادّ لأحصاه . وكان يعيد الكلمة ثلاثا أو أكثر من ثلاث عند الحاجة ، كيما تحفظ عنه ، كما جاء في صحيح مسلم أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال . « هلك المتنطّعون » قالها ثلاثا . وكما جاء في حديث البخاري ومسلم أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ( ثلاثا ) قلنا : بلى يا رسول اللّه قال : الإشراك باللّه ، وعقوق الوالدين ، ألا وقول الزور وشهادة الزور - وكان متّكئا فجلس - فما زال يكرّرها حتى قلنا ليته سكت » . ومن هديه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه كان إذا خطب احمرّت عيناه ، وعلا صوته واشتدّ غضبه حتى كأنه منذر جيش يقول : صبّحكم ومسّاكم . ويقول : بعثت أنا والساعة كهاتين ( ويقرن بين إصبعيه السّبّابة والوسطى ) و يقول : « أمّا بعد فإنّ خير الحديث كتاب اللّه ، وخير الهدى هدى محمّد ، وشرّ الأمور محدثاتها وكلّ محدثة بدعة ، وكلّ بدعة ضلالة . ثم يقول : أنا أولى بكلّ مؤمن من نفسه . من ترك مالا فلأهله ، ومن ترك دينا أو ضياعا « 1 » فإلىّ وعلىّ » رواه مسلم . ومن وسائل إيضاحه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه كان يضرب لهم الأمثال الرائعة التي تجلّى لهم المعاني ، كأنها العروس بارعة ليلة الزفاف ، أو الشمس ساطعة ليس دونها سحاب . تأمل قوله وهو يضرب المثل في ضرورة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وخطر إهمالهما ، ثم قل لي بربك : هل يبارح ذاكرتك هذا التمثيل البديع ؟ .
--> ( 1 ) الضياع بفتح الضاد يستعمل مصدرا لضاع ، ويستعمل اسما بمعنى العيال أو الضائعين منهم . قال في القاموس : « والضّياع أيضا العيال ، أو ضيّعهم » ا ه ولا يخفى أن المعنى المصدري غير مراد هنا .