الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
297
مناهل العرفان في علوم القرآن
العامل العاشر حكمة اللّه ورسوله في التربية والتعليم ، وحسن سياستهما في الدعوة والإرشاد ، مما جعل الكتاب والسنّة يتقرّران في الأذهان ، ويسهلان على الصحابة في الحفظ والاستظهار . أما القرآن الكريم ، فحسبك أن تعرف من حكمة اللّه به في التربية والتعليم ، أنه أنزله على الأمة الإسلامية باللغة الحبيبة إلى نفوسهم ، وبالأسلوب الخلّاب والنظم المعجز الآخذ بقلوبهم ، وأنه تدرّج بهم في نزوله ، فلم ينزل جملة واحدة يرهقهم به ويعجزون عنه ، بل أنزله منجّما في مدى عشرين أو بضع وعشرين سنة ، ثم ربطه بالحوادث والأسباب الخاصة في كثير من صوره وآياته ، ودعمه بالدليل والحجة ، وخاطب به العقول والضمائر ، وناط به مصلحتهم وخيرهم وسعادتهم ، وصدر في ذلك كله عن رحمة واسعة بهم ، يكادون يلمسونها باليد ويرونها بالعين ! « ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ، وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » . « مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ، وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ » . وأما السنّة النبوية ، فقد ضربت الرقم القياسي في باب هذه السياسة التعليمية الراشدة ، حتى إذا كان علماء التربية في العصور الحديثة ، قد عدوّا من الحكمة في التعليم والتربية الاستعانة بوسائل الإيضاح ، وألوان التشويق ، فإن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم النبىّ الأمىّ ، كان من قبل أربعة عشر قرنا ، ومن قبل أن يولد علم التربية وعلم النفس ، كان هو المعلم الأول في رعاية تلك الوسائل الموضّحة ، وهاتيك المشوّقات الرائعة ، حتى تفتحت قلوب سامعيه للهداية ، وامتلأت صدور أصحابه بتعاليمه ، كأنما كتبت فيها كتابا بالكلمة والحرف .