الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
294
مناهل العرفان في علوم القرآن
أغلاطهم التي وقعوا فيها ويرشدهم إلى شاكلة الصواب . كقوله سبحانه في سورة آل عمران : « وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ » إلى آيات كثيرة بعدها . وكلها نزلت في غزوة أحد تدل المسلمين على خطئهم في هذا الموقف الرهيب ، وتحذرهم أن يقعوا حينا آخر في مثل ذاك المأزق العصيب . وعلى هذا النمط نزلت سور في القرآن وآيات تفوت العدد وتجاوز الإحصاء . وإذا تجولت في رياض الحديث النبوي الشريف يطالعك منه العجب العاجب في هذا الباب . انظر قصة المخزومية التي سرقت وقول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لمن شفع فيها : « وأيم اللّه لو أنّ فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها » رواه أصحاب الكتب الستة . ثم تأمل حادث تلك المرأة الجهنية التي أقرت بزناها بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهي حبلى من الزنا ، كيف أمر الرسول فكفلها وليها حتى وضعت حملها ، ثم أتى بها فرجمت ، ثم صلى رسول الرحمة عليها . ولما سئل صلوات اللّه وسلامه عليه كيف تصلى عليها وهي زانية ؟ قال : « إنها تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لو سعتهم . وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها للّه عزّ وجلّ ؟ » رواه مسلم . وتدبر الحديث المعروف بحديث جبريل ، وفيه يسأل جبريل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وأشراطها على مرأى ومسمع من الصحابة . وقد قال لهم أخيرا : هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم » . أخرجه الخمسة غير البخاري . والناظر في السنة يجدها في كثرتها الغامرة ، تدور على مثل تلك الوقائع والحوادث والأسئلة . وقد قرّر علماء النفس أن ارتباط المعلومات بأمور مقارنة لها في الفكر ، تجعلها أبقى على الزمن ، وأثبت في النفس ، فلا بدع أن يكون ما ذكرنا داعية من دواعي حفظ الصحابة لكتاب اللّه وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، على حين أنهم هم المشاهدون لتلك الوقائع والحوادث ، المشافهون بخطاب الحق ، المواجهون بكلام سيد الخلق ، في هذه المناسبات الملائمة والأسباب