الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

286

مناهل العرفان في علوم القرآن

كعبد اللّه بن عمرو ( رضى اللّه عنه ) . ولهذا الموضوع مبحث خاص به فاطلبه إن شئت في علوم الحديث . وأيّا ما تكن كتابة القرآن والسنة النبوية ، فإن التعويل قبل كل شئ كان على الحفظ والاستظهار ، ولا يزال التعويل حتى الآن على التلقّى من صدور الرجال ، ثقة عن ثقة ، وإماما عن إمام ، إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . غير أن الرجل الأمى والأمة الأمية يكونان أسبق من غيرهما إلى الحفظ ، للمعنى الذي أسلفناه لك . العامل الثاني أن الصحابة كانوا أمة يضرب بها المثل في الذكاء والألمعيّة ، وقوّة الحافظة وصفاء الطبع ، وسيلان الذهن وحدّة الخاطر ! وفي التاريخ العربي شواهد على ذلك يطول بنا تفصيلها ، ولعلها على بال منك . حتى لقد كان الرجل منهم ربما يحفظ ما يسمعه لأول مرة مهما كثر وطال ، وربما كان من لغة غير لغته ، ولسان سوى لسانه ، وحسبك أن تعرف أن رؤوسهم كانت دواوين شعرهم ، وأن صدورهم كانت سجلّ أنسابهم ، وأن قلوبهم كانت كتاب وقائعهم وأيامهم ! كل أولئك كانت خصائص كامنة فيهم وفي سائر الأمة العربية من قبل الإسلام ، ثم جاء الإسلام فأرهف فيهم هذه القوى والمواهب ، وزادهم من تلك المزايا والخصائص بما أفاد طبعهم من صقل ، ونفوسهم من طهر ، وعقولهم من سموّ ، خصوصا إذا كانوا يسمعون لأصدق الحديث وهو كتاب اللّه ، ولخير الهدى وهو هدى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم .