الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

284

مناهل العرفان في علوم القرآن

ا - الجبهة الأولى أو الدواعي والعوامل في حفظ الصحابة للكتاب والسنة ونقلهم لهما ولنبدأ بشرح العوامل والدواعي التي يسّرت للصحابة حفظ الكتاب والسنة ونقلهما ، حتى لا يستبعد ذلك عليهم أحد ، ولا يطعن في الكتاب والسنة عن هذا الطريق أحد : العامل الأول أنهم كانوا أميين لا يعرفون القراءة ؛ ولا يحذقون الخط والكتابة ، اللهم إلا نزر يسير لا يصاغ منهم حكم على المجموع . وترجع هذه الأمية السائدة فيهم إلى غلبة البداوة عليهم ، وبعدهم عن أسباب المدنية والحضارة ، وعدم اتصالهم اتصالا علميا وثيقا بالأمتين المتحضّرتين في العالم لذلك الحين : أمة الفرس في الشرق ، وأمة الروم في الغرب . ومعلوم أن الكتابة والقراءة وامّحاء الأمية في أية أمة ، رهين بخروجها من عهد السذاجة والبساطة ، إلى عهد المدنية والحضارة . ثم إن هذه الأمية تجعل المرء منهم لا يعول إلا على حافظته وذاكرته فيما يهمه حفظه وذكره . ومن هنا كان تعويل الصحابة على حوافظهم يقدحونها في الإحاطة بكتاب اللّه وسنة رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأن الحفظ هو السبيل الوحيدة أو الشبيهة بالوحيدة إلى إحاطتهم بهما . ولو كانت الكتابة شائعة فيهم ، لاعتمدوا على النقش بين السطور ، بدلا من الحفظ في الصدور .