الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
280
مناهل العرفان في علوم القرآن
( ثانيا ) أن الحجارة وسعف النخل والعظام التي كتب عليها بعض آيات القرآن لم تكن بحيث يمكن أن يتخيل أولئك الطاعنون أو يخيلوا إلى الناس أنها لا تصلح للكتابة عليها ، بل كانت العرب لبداوتها ولبعدها عن وسائل الحضارة والعمران ، تصطفى من أنواع الحجارة الموفورة عندها نوعا رقيقا يكون كالصحيفة يصلح للكتابة وللبقاء ، أشبه بما نراه اليوم من الكتابة الجميلة المنقوشة على صفحات مصنوعة مما نسميه ( الجبس ) . وكذلك سعف النخل يكشطون الخوص عنه ، ويكتبون في الجزء العريض منه بعد أن يصقلوه ويهذبوه فيكون أشبه بالصحيفة . وقل مثل هذا في العظام ، بدليل أن الروايات الواردة في ذلك نصت على نوع خاص منه وهو عظام الأكتاف ، وذلك لأنها عريضة رقيقة ومصقولة صالحة للكتابة عليها بسهولة . ( ثالثا ) : أن استنتاجهم من هذا كون القرآن الحالي لا يحتوى جميع الآيات التي نطق بها محمد ، استنتاج معكوس ، وفهم منكوس ، لأن كتابة القرآن وحفظه في آن واحد في صدور آلاف مؤلفة من الخلق ، أدعى إلى بقاء ذلك القرآن ، وأدلّ على أنه لم تفلت منه كلمة ولا حرف . كيف وأحد الأمرين من الكتابة والحفظ كاف في هذه الثقة ؟ فما بالك إذا كان القرآن كله مكتوبا بخطوط أشخاص كثيرين ، ومحفوظا في صدور جماعات كثيرين ! . ( رابعا ) قولهم : « وبعضها يختلف في القراءة واللفظ والمعنى » إن أرادوا به الطعن في تعدّد القراءات واختلاف وجوه الأداء ، فقد سبق في مبحث نزول القرآن على سبعة أحرف ما يكفيك في الرد عليهم ، وسيأتيك في مبحث القراءات ما يزيدك تنوّرا في هذا الموضوع ، وإن أرادوا به شيئا آخر فعليهم البيان . وحسبك أن تعرف أن اختلاف حروف القرآن أمر تقتضيه الحكمة ، ويوجبه عموم الدعوة الإسلامية . خصوصا لمن شافههم الرسول عليه الصلاة والسلام ، وهم على اختلاف قبائلهم ، وتنوّع