الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

277

مناهل العرفان في علوم القرآن

ابن مسعود ربما يفهم منها الطعن في زيد من ناحية أن أباه كان كافرا ، ولكن هذا ليس بمطعن ، فكثير من أكابر الصحابة كانوا في مبدأ أمرهم كفارا ، وخرجوا من أصلاب آباء كافرين . واللّه تعالى يقول : « وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى » ويقول : « قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ » . ( ثانيا ) : أننا إذا سلمنا صحة ما نقل عن ابن مسعود ، وسلمنا أنه أراد الطعن في صحة جمع القرآن ، لا نسلم أنه دام على هذا الطعن والإنكار ، بدليل ما صح عنه أنه رجع إلى ما في مصحف عثمان ، وحرق مصحفه في آخرة الأمر ، حين تبين له أن هذا هو الحق ، وبدليل ما صحّ عنه من قراءة عاصم عن زرعة ، وقد تقدم . ( ثالثا ) أن كلام ابن مسعود هذا - على تسليم صحته وأنه أراد به الطعن في صحة الجمع ، وأنه دام عليه ولم يرجع عنه - لا نسلم أنه يدل على إبطال تواتر القرآن فإن التواتر كما أسلفنا يكفى في القطع بصحة مرويه أن ينقل عن جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب بشروطه ، وليس من شروطه ألا يخالف فيه مخالف حتى يقدح في تواتر القرآن أن يخالف فيه ابن مسعود أو غير ابن مسعود ، ما دام جمّ غفير من الصحابة قد أقروا جمع القرآن على هذا النحو في عهد أبى بكر مرة ، وفي عهد عثمان مرة أخرى . الشبهة الخامسة يقولون : كيف يكون القرآن متواترا ، مع ما يروى عن زيد بن ثابت أنه قال في الجمع على عهد أبى بكر ما نصه : « فقمت فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور الرجال ، حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدهما مع غيره ، وهما « لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ » إلى آخر السورة .