الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
271
مناهل العرفان في علوم القرآن
عرفت عينيه تحت المغفر تزهران ، فناديت بأعلى صوتي : يا معشر المسلمين : أبشروا ! هذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فانحاز إليه ثلاثون من أصحابه رضى اللّه عنهم ينافحون عنه . ثم لام النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أصحابه على الفرار . فقالوا : يا رسول اللّه فديناك بآبائنا وأبنائنا . أتانا الخبر أنك قتلت ، فرعبت قلوبنا ، فولّينا مدبرين ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية : « وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ . أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ؟ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً » الخ من سورة آل عمران . والظاهر أن هؤلاء الطاعنين بزيادة هذه الآية وأنها من كلام أبى بكر ، يعتمدون فيما طعنوا على ما كان من عمر يوم وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومن ردّ أبى بكر عليه بهذه الآية ، فزعموا أنها من كلام أبى بكر ، وما هي من كلام أبى بكر . إنما هي من كلام رب العزة ، أنزلها قبل وفاة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ببضع سنين ، والمسلمون جميعا - ومنهم أبو بكر وعمر - يحفظونها ويعرفونها . غير أن منهم من ذهل عنها كعمر ، لهول الحادث وشدة الصدمة ، وتصدّع قلبه بموت رسول الرحمة وهادي الأمة صلّى اللّه عليه وسلّم . وكان من آثار ذلك أن عمر رضى اللّه عنه غفل عن هذه الآية يوم توفى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فقام يومئذ وقال : « إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم توفى . وإن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ما مات . ولكنه ذهب إلى ربه ، كما ذهب موسى بن عمران . فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل : مات . واللّه ليرجعنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كما رجع موسى فليقطّعنّ أيدي رجال وأرجلهم ، زعموا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مات » . هنا لك نهض أبو بكر نقذ الموقف فقال : « على رسلك يا عمر ، أنصت ، فحمد اللّه وأثنى عليه . ثم قال : أيها الناس : من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان