الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
265
مناهل العرفان في علوم القرآن
عن كتابة غير القرآن إذ يقول صلّى اللّه عليه وسلّم فيما يرويه مسلم : « لا تكتبوا عنى ومن كتب عنّى شيئا غير القرآن فليمحه » وذلك كله مخافة اللّبس والخلط والاشتباه في القرآن الكريم . ( 5 ) وأما احتجاجهم الخامس بأن كثيرا من آيات القرآن لم يكن لها قيد سوى تحفّظ الصحابة ، وقد قتل بعضهم وذهب معهم ما كانوا يتحفظونه ، فلا يسلّم لهم ؛ لأن نفس ما كان يتحفظه الشهداء من القراء ، كان يتحفظه كثير غيرهم أيضا من الأحياء الذين لم يستشهدوا ولم يموتوا ، بدليل قول عمر : « وأخشى أن يموت القرّاء من سائر المواطن » ومعنى هذا أن القرّاء كلهم لم يموتوا . إنما المسألة مسألة خشية وخوف . ومعلوم أن أبا بكر كان من الحفّاظ ، وكذلك عمر وعثمان وعلى وزيد بن ثابت وغيرهم ، وهؤلاء عاشوا حتى جمع القرآن في الصحف ، وعاش منهم من عاش حتى نسخ في المصاحف وحينئذ فكتابة زيد ما كتبه ، هي كتابة لكل القرآن ، لم تفلت منه كلمة ولا حرف وكان القرآن كله مكتوبا كما سبق شرحه وبيانه ، حتى إن الصحابة في جمعه كانوا يستوثقون له بأن يعتمدوا على الحفظ والكتابة معا ، دون الاكتفاء بأحدهما وكانوا فيما يعتمدون عليه من الكتابة يتأكدون من أنه كتب بين يدي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويطلبون على ذلك شاهدين ، كما سلف إيضاحه . ( 6 ) وأما احتجاجهم السادس بأن ما كان مكتوبا من القرآن على العظام ونحوها كان غير منظم ولا مضبوط الخ ؛ فينقضه ما أثبتناه آنفا في جمع القرآن ، من أن ترتيب آياته كان توقيفيّا ، وأن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم كان يرشد كتّاب الوحي أن يضعوا آية كذا في مكان كذا من سورة كذا . وكان يقرئها أصحابه كذلك ، ويحفظها الجميع ، ويكتبها من شاء منهم لنفسه على هذا النحو ، حتى صار ترتيب القرآن وضبط آياته معروفا مستفيضا بين الصحابة حفظا وكتابة . ووجدوا ما كتب عند الرسول من القرآن ،