الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

261

مناهل العرفان في علوم القرآن

الاستثناء الصورىّ فائدتان : إحداهما ترجع إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حيث يشعر دائما أنه مغمور بنعمة اللّه وعنايته ، ما دام متذكرا للقرآن لا ينساه . والثانية تعود على أمته حيث يعلمون أن نبيهم صلّى اللّه عليه وسلّم فيما خصه اللّه به من العطايا والخصائص لم يخرج عن دائرة العبودية ، فلا يفتنون فيه كما فتن النصارى في المسيح بن مريم . والدليل على أن هذا الاستثناء صورىّ لا حقيقي أمران : ( أحدهما ) ما جاء في سبب النزول وهو أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان يتعب نفسه بكثرة قراءة القرآن حتى وقت نزول الوحي ، مخافة أن ينساه ويفلت منه ، فاقتضت رحمة اللّه بحبيبه أن يطمئنه من هذه الناحية ، وأن يريحه من هذا العناء ، فنزلت هذه الآية . كما نزلت آية « لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ » وآية « وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ ، وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً » . ( ثانيهما ) أن قوله « إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ » يعلق وقوع النسيان على مشيئة اللّه إياه . والمشيئة لم تقع بدليل ما مرّ بك من نحو قوله : « إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ » . وإذا فالنسيان لم يقع ، للعلم بأن عدم حصول المعلق عليه يستلزم عدم حصول المعلق . فالذي عنده ذوق لأساليب اللغة ، ونظر في وجوه الأدلة ، لا يتردّد في أن الآية وعد من اللّه أكيد ، بأن الرسول يقرئه اللّه فلا ينسى ، وعدا منه على وجه التأبيد ، من غير استثناء حقيقي لوقت من الأوقات . وإلا لما كانت الآية مطمئنة له عليه الصلاة والسلام ، ولكان نزولها أشبه بالعبث ولغو الكلام ! . قال العلامة المرحوم الشيخ محمد عبده عند تفسيره للاستثناء في هذه الآية ما نصه : « ولما كان الوعد على وجه التأبيد واللزوم ، ربما يوهم أن قدرة اللّه لا تسع غيره ، وأن ذلك خارج عن إرادته جلّ شأنه ، جاء بالاستثناء في قوله « إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ » ، فإنه إذا أراد أن ينسيك شيئا لم يعجزه ذلك ، فالقصد هو نفى النسيان رأسا . وقالوا : إن ذلك