الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
258
مناهل العرفان في علوم القرآن
وهي القرآن المتداول اليوم . وعمد إلى المصاحف المتقدمة ، فلم يبق منها نسخة إلا أغلى لها الخلّ وطرحها فيه حتى تقطّعت . وإنما رام بما فعله أن يتزلّف إلى بنى أمية ، فلم يبق في القرآن ما يسوؤهم . [ نقض هذه المزاعم الباطلة ] ملخّص هذه الشبهة أن القرآن الذي بأيدينا ناقص سقط منه ما سقط ، بدليل المزاعم السبعة التي سقناها أمامك . وإذن فلنمحص بين يديك هذه المزاعم ، لنأتي بنيان هذه الشبهة من القواعد . ( 1 ) أما احتجاجهم الأول - وهو الحديث الذي أوردوه - فإنه لا ينهض حجة لهم فيما زعموا من الشكّ في الأصل الذي قامت عليه كتابة القرآن وجمعه . بل الأصل سليم قويم وهو وجود هذه الآيات مكتوبة في الوثائق التي استكتبها الرسول ، ووجودها محفوظة في صدور أصحابه الذين تلقّوها عنه ، والذين بلغ عددهم مبلغ التواتر ، وأجمعوا جميعا على صحّته . كما عرف ذلك في دستور جمع القرآني . إنما قصارى هذا الخبر أنه يدلّ على أن قراءة ذلك الرجل ذكّرت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إيّاها ، وكان قد أنسيها أو أسقطها ( أي نسيانا ) . وهذا النوع من النسيان لا يزعزع الثقة بالرسول ، ولا يشكّك في دقّة جمع القرآن ونسخه ، فإن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم كان قد حفظ هذه الآيات من قبل أن يحفظها ذلك الرجل ، ثم استكتبها كتّاب الوحي ، وبلغها الناس فحفظوها عنه ، ومنهم رجل الرواية عبّاد بن بشّار رضى اللّه عنه على ما روى . وليس في ذلك الخبر الذي ذكروه رائحة أن هذه الآيات لم تكن بالمحفوظات التي كتبها كتّاب الوحي ، وليس فيه ما يدلّ على أن أصحاب الرسول كانوا قد نسوها جميعا ، حتى يخاف عليها وعلى أمثالها الضياع ، ويخشى عليها السقوط عند الجمع واستنساخ المصحف الإمام ،