الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
4
مناهل العرفان في علوم القرآن
ولقد أفرد العلماء كل ناحية من هذه النواحي بالبحث والتأليف ، ووضعوا من أجلها العلوم ودوّنوا الكتب ، وتباروا في هذا الميدان الواسع أشواطا بعيدة ، حتى زخرت المكتبة الإسلامية بتراث مجيد من آثار سلفنا الصالح ، وعلمائنا الأعلام . وكانت هذه الثروة ولا تزال مفخرة نتحدّى بها أمم الأرض ، ونفحم بها أهل الملل والنّحل في كل عصر ومصر ! وهكذا أصبح بين أيدينا الآن مصنفات متنوعة ، وموسوعات قيّمة ، فيما نسميه علم القراءات ، وعلم التجويد ، وعلم النسخ العثماني ، وعلم التفسير ، وعلم الناسخ والمنسوخ ، وعلم غريب القرآن ، وعلم إعجاز القرآن ، وعلم إعراب القرآن ، وما شاكل ذلك من العلوم الدينية والعربية ، مما يعتبر بحق أروع مظهر عرفه التاريخ لحراسة كتاب هو سيد الكتب ، وبات هذا المظهر معجزة جديدة مصدّقة لقوله سبحانه : « إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ » . ولقد أنجبت تلك العلوم الآنفة وليدا جديدا ، هو مزيج منها جميعا ، وسليل لها جميعا ، فيه مقاصدها وأغراضها ، وخصائصها وأسرارها ، « والولد سرّ أبيه » . وقد أسموه ( علوم القرآن ) وهو موضوع دراستنا في هذا الكتاب إن شاء اللّه . وسأحاول فيما أكتبه أن أمزج بين حاجة الأزهريين إلى البحث والتحليل ، وبين رغبات جماهير القراء المعاصرين في تقريب الأسلوب وتعبيد السبيل ، ما وسعني الإمكان . وسأضطر بسبب ذلك إلى شئ من الإسهاب والتطويل ، ولكنها تضحية ضئيلة بجانب تأدية رسالتنا في وجوب الاتصال الديني بالجماهير . وسأعرض - بعون اللّه وتأييده - لعلاج الشبهات التي أطلق بخورها أعداء الإسلام ، وسددوا سهامها الطائشة إلى القرآن ، ولكن عند المناسبة وسنوح الفرصة .