الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
255
مناهل العرفان في علوم القرآن
روى أبو بكر الأنباري عن سويد بن غفلة قال : « سمعت علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه يقول : يا معشر الناس : اتقوا اللّه وإياكم والغلوّ في عثمان ، وقولكم : حرّاق مصاحف ، فو اللّه ما حرقها إلا عن ملأ منا أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » . و عن عمر بن سعيد قال : قال علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه : « لو كنت الوالي وقت عثمان ، لفعلت في المصاحف مثل الذي فعل عثمان » رضى اللّه عن الجميع ، وجزاهم أحسن الجزاء على هذا الصنيع . فذلكة : تستطيع مما سبق أن تفرق بين مرّات جمع القرآن في عهوده الثلاثة : عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وعهد أبى بكر ، وعهد عثمان ( رضى اللّه عنهما ) فالجمع في عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان عبارة عن كتابة الآيات وترتيبها ووضعها في مكانها الخاصّ من سورها ، ولكن مع بعثرة الكتابة وتفرّقها بين عسب وعظام ، وحجارة ورقاع ، ونحو ذلك حسبما تتيسّر أدوات الكتابة ، وكان الغرض من هذا الجمع زيادة التوثق للقرآن ، وإن كان التعويل أيامئذ كان على الحفظ والاستظهار . أما الجمع في عهد أبى بكر رضى اللّه عنه فقد كان عبارة عن نقل القرآن وكتابته في صحف مرتّب الآيات أيضا ، مقتصرا فيه على ما لم تنسخ تلاوته مستوثقا له بالتواتر والإجماع . وكان الغرض منه تسجيل القرآن وتقييده بالكتابة مجموعا مرتّبا ، خشية ذهاب شئ منه بموت حملته وحفاظه . وأما الجمع في عهد عثمان رضى اللّه عنه فقد كان عبارة عن نقل ما في تلك الصحف في مصحف واحد إمام ، واستنساخ مصاحف منه ترسل إلى الآفاق الإسلامية ملاحظا فيها تلك المزايا السالف ذكرها مع ترتيب سوره وآياته جميعا . وكان الغرض منه إطفاء الفتنة