الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

223

مناهل العرفان في علوم القرآن

« اعلم أن القرآن كتاب سماوىّ . والكتب السماوية تصرح تارة وترمز أخرى ، والرمز والإشارة من المقاصد السامية والمعاني والمغازي الشريفة . وقديما كان ذلك في أهل الديانات . ألم تر إلى اليهود الذين كانوا منتشرين في المدينة وفي بلاد الشرق أيام النبوة كيف كانوا يصطلحون فيما بينهم على أعداد الجمّل المعروفة اليوم في الحروف العربية ؟ فيجعلون الألف بواحد ، والباء باثنين ، والجيم بثلاثة ، والدال بأربعة ، وهكذا مارّين على الحروف الأبجديّة ، إلى الياء بعشرة والكاف بعشرين ، وهكذا إلى القاف بمائة والراء بمائتين ، وهكذا إلى الغين بألف ، كما ستراه في هذا المقام . كذلك ترى أن النصارى في إسكندرية ومصر وبلاد الروم وفي سوريا ، قد اتخذوا الحروف رموزا دينية معروفة فيما بينهم أيام نزول القرآن . وكانت اللغة اليونانية هي اللغة الرسمية في مصر . وكانوا يرمزون بلفظ « إكسيس » لهذه الجملة : « يسوع المسيح بن اللّه المخلّص » فالألف من إكسيس هي الحرف الأول من لفظ « إيسوس » يسوع . والكاف منها هي الحرف الأول من « كرستوس » المسيح . والسين منها هي حرف الثاء التي تبدل منها في النطق في لفظ « ثبو » اللّه . والياء منها تدل على « ايوث » ابن . والسين الثانية منها تشير إلى « ثوتير » المخلص . ومجموع هذه الكلمات : يسوع المسيح بن اللّه المخلّص . ولفظ « إكسيس » اتفق أنه يدل على معنى سمكة ، فأصبحت السمكة عند هؤلاء رمزا لإلههم . فانظر كيف انتقلوا من الأسماء إلى الرمز بالحرف ، ومن الرمز بالحرف إلى الرمز بحيوان دلّت عليه الحروف . قال الحبر الإنجليزى صموئيل موننج : إنه كان يوجد كثيرا في قبور رومة صور أسماك صغيرة مصنوعة من الخشب والعظم . وكان كل مسيحي يحمل سمكة إشارة للتعارف فيما بينهم ا ه : فإذا كان ذلك من طبائع الأمم التي أحاطت بالبلاد العربية وتغلغلت فيها ونزل