الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

219

مناهل العرفان في علوم القرآن

وننقض هذه الشبهة بأمور : ( أولها ) أنه لم يكن للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم كتبة من اليهود أبدا . وها هو التاريخ حاكم عدل لا يرحم ولا يحابى ، فليسألوه إن كانوا صادقين . ( ثانيا ) أنه لا دليل لهم أيضا على أن فواتح هذه السور تستعمل في تلك المعاني التي زعموها وهي ( أوعز إلىّ محمد ) أو ( أمرني محمد ) ، لا عند اليهود ولا عند غيرهم في أية لغة من لغات البشر . ( ثالثها ) أن اليهود لم يعرف عنهم الطعن في القرآن بمثل هذا . ولو كان هذا مطعنا عندهم لكانوا أول الناس جهرا به ، وتوجيها له ، لأنهم كانوا أشد الناس عداوة للنبي صلى اللّه عليه وسلّم والمسلمين ، يتمنّون أن يجدوا في القرآن مغمزا من أي نوع يكون ، ليهدموا به دعوة الإسلام . كيف وهم يكفرون به حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبيّن لهم الحق ؟ ( رابعها ) : أن اشتمال القرآن على كلمات غير ظاهرة المعنى لا ينافي وصف القرآن بأنه بيان للناس وهدى ورحمة ، فإن هذه الأوصاف يكفى في تحقّقها ثبوتها للقرآن باعتبار جملته ومجموعه لا باعتبار تفصيله وعمومه الشامل لكل لفظ فيه . ولا ريب أن الكثرة الغامرة في القرآن كلها بيان للتعاليم الإلهية وهداية للخلق إلى الحق ، ورحمة للعالم من وراء تقرير أصول السعادة في الدنيا والآخرة . وهذا الجواب مبنىّ على أحد رأيين للعلماء في فواتح تلك السور ، وهو أن المعنى المقصود غير معلوم لنا ، بل هو من الأسرار التي استأثر اللّه بعلمها ، ولم يطلع عليها أحدا من خلقه . وذلك لحكمة من حكمة تعالى السامية وهي ابتلاؤه سبحانه ، وتمحيصه لعباده ، حتى يميز الخبيث من الطيب ، وصادق الإيمان من المنافق ، بعد أن أقام لهم أعلام بيانه ، ودلائل هدايته ، وشواهد رحمته ، في غير تلك الفواتح من كتابه ، بين آيات وسور كثيرة ، لا تعتبر تلك الفواتح في جانبها إلا قطرة من بحر ، أو غيضا من فيض .