الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

210

مناهل العرفان في علوم القرآن

والانقطاع ، بل يروعك ما بين الجميع من جلال الوحدة ، وكمال الاتصال ، وجمال التناسق والانسجام ، مما يجعل القرآن كله على طوله ، سلسلة واحدة محكمة متصلة الحلقات ، أو عقدا رائعا أخاذا منتظم الحبات ، أو قانونا رصينا مترابط المبادئ والغايات . ثالثا - أن قصر السور والآيات المكية ، لا يدل على ما زعموه من امتياز القسم المكي بمميزات الأوساط المنحطة ، بل القصر مظهر الإيجاز ، والإيجاز مظهر رقّى المخاطب ، وآية فهمه وذكائه ، بحيث يكفيه من الكلام موجزه ، ومن الخطاب أقصره . أما من كان دونه ذكاء وفهما ، فلا سبيل إلى إفادته إلا بالإسهاب والبسط ، إن لم يكن بالمساواة والتوسط . ولهذا المعنى جاء قسم القرآن المكي قصيرا موجزا في معظمه ، وجاء قسم المدني طويلا مسهبا في أكثره . ويرجع ذلك إلى ما أشرنا إليه قبلا من أن القرشيين في مكة كانوا في الذؤابة من قبائل العرب ، ذكاء وألمعية ، وفصاحة وبلاغة ، وشرفا وشجاعة فلا بدع أن يخاطبهم القرآن بالقصير من سوره وآياته ، رعاية لحق قانون البلاغة والبيان ، في خطاب الذكي النابه ، بغير ما يخاطب به من كان دونه . ولا يقدح في مزايا المكيين هذه أنهم كانوا أميين لم يستنيروا بثقافة المدنيين ، فللثقافة والاستنارة ميدان ، وللذكاء والتمهر في البيان ميدان وأهل المدينة لم يكونوا على استنارتهم ليبلغوا شأن قريش في تلك الخصائص والمزايا ، وكان منهم أهل كتاب درجوا على ألا يستفيدوا إلا بالتطويل ، ولا يقنعوا إلا ببسط الكلام . ومن هنا تعرف مبلغ ما في هذه الشبهة من زيف وكذب فيما رتبوه على هذا من أن القرآن كان نتيجة لتأثر محمد بانحطاط أهل مكة في القسم المكي ، وباستنارة أهل المدينة في القسم المدني ، حتى جاء قرآنه قصيرا في الأول ، طويلا في الثاني .