الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

202

مناهل العرفان في علوم القرآن

( 2 ) وأما زعمهم أن في القسم المكي سبابا ، ويريدون من السباب معناه المعروف عندهم من القحة والبذاءة ، والخروج عن حدود الأدب واللّياقة ، فقد « كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً » . ونحن نتحدّاهم أن يأتوا بمثال واحد في القرآن كله ، مكيّة ومدنيه ، يكون من هذا اللون القدر الرخيص . وهل يعقل أن القرآن الذي جاء يعلم الناس أصول الآداب ، يخرج هو عن أصول الآداب إلى السباب ؟ كيف وقد حرم على أتباعه المسلمين أن يسبوا أعداءه المشركين ؟ فقال في سورة الأنعام : « وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ » . نعم إن في القرآن كله لا في القسم المكي وحده تسفيها لأحلام المتنطعين ، الذين يصمّون آذانهم ، ويغمضون أعينهم عن الحق ، ويهملون الحجج والبراهين ، وهو في ذلك شديد عنيف ، بيد أنه في شدّته وعنفه ، لم يخرج عن جادّة الأدب ، ولم يعدل عن سنن الحق ، ولم يصدف عن سبيل الحكمة . بل الحكمة تتقاضاه أن يشتدّ مع هؤلاء ، لأنهم يستحقون الشدّة ، ومن مصلحتهم هم ، ومن الرحمة بهم ، والخير لهم ، أن يشتدّ عليهم ليرعووا عن باطلهم ، ويصيخوا إلى صوت الحق والرشد ، ويسيروا على هدى الدليل والحجة ، على حد قول القائل : « فقسا ليزدجروا . ومن يك حازما فليقس أحيانا على من يرحم » أضف إلى ذلك أن هذا التفريع الحكيم تجده في السور المدنية ، كما تجده في السور المكية . وإن كان في المكي أكثر من المدني ، لأن أهل مكة كانوا أشدّاء العارضة ، صعاب المراس ، مسرفين في العناد والإباء ، لم يتركوا بابا من الشرّ إلا دخلوه على الرسول وأصحابه ، ولم يكفهم أن يخرج من بلده وأهله بليل ، بل وجهوا إليه الأذى في مهاجره .