الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
200
مناهل العرفان في علوم القرآن
وخصومتهم للإسلام ، ونقدهم للقرآن ، تبعد كلامهم عن كل تأويل حسن ، وتحمله على أسوإ فروضه . ولنأت لك على بنيان هذه الشبهة من القواعد ، لتعلم إغراقها في البطلان وإغراق ذويها في الكذب والاسفاف . ( 1 ) - فأما قولهم : إن القسم المكي قد تفرّد بالعنف والشدّة فينقضه أن في القسم المدني شدة وعنفا ، فدعوى تفرّد القسم المكي بذلك باطلة ، قال تعالى في سورة البقرة وهي مدنية : « فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ » وقال فيها أيضا : « إنّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ » وقال فيها أيضا : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ » . وقال سبحانه في سورة آل عمران - وهي مدنية كتلك - « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ . كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ، وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ . قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ » . وإنما اشتمل القرآن الكريم بقسميه المكي والمدني على الشدّة والعنف ، لأن ضرورة التربية الرشيدة ، في إصلاح الأفراد والشعوب ، وسياسة الأمم والدول ، تقضى أن يمزج المصلح في قانون هدايته ، بين الترغيب والترهيب ، والوعد والوعيد والشدّة واللين . ثم إن دعواهم انفراد المكي بالعنف والشدّة ، يفهم منه دعوى انفراد المدني