الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

170

مناهل العرفان في علوم القرآن

فكيف يسوغ للصحابة وهم خير القرون ، أن يغلقوا باب الرحمة والتخفيف الذي فتحه اللّه لأمة الإسلام ، مخالفين في ذلك هدى الرسول عليه الصلاة والسلام في عمله للتخفيف بطلب تعدّد الحروف ، وعلاجه للنزاع بين المختلفين بتقرير هذا التعدّد للحروف ؟ ألا إن هذه ثغرة لا يمكن سدّها ، وثلمة يصعب جبرها ، وإلا فكيف يوافق أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على ضياع ستة حروف نزل عليها القرآن ، دون أن يبقوا عليها مع أنها لم تنسخ ولم ترفع ؟ وعلى حين أن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم قرّر بقوله وفعله ، أنه لا يجوز لأحد أيّا كان ، أن يمنع أحدا أيّا كان ، من القراءة بحرف من السبعة أيّا كان . فقد صوّب قراءة كلّ من المختلفين ، وقال لكلّ « هكذا أنزلت » وضرب في صدر أبىّ بن كعب حين استصعب عليه التسليم بهذا الاختلاف في القراءة . إلى آخر ما شرحنا في الشاهدين الثالث والخامس من الشواهد الماضية . وقصارى القول ، أننا نربأ بأصحاب رسول صلّى اللّه عليه وسلّم أن يكونوا قد وافقوا أو فكّروا ، فضلا عن أن يتآمروا على ضياع أحرف القرآن الستة دون نسخ لها . وحاشا عثمان رضى اللّه عنه أن يكون قد أقدم على ذلك وتزعّمه ! . وكيف ينسب إليه هذا ؟ والمعروف أنه نسخ المصاحف من الصحف التي جمعت على عهد أبى بكر رضى اللّه عنه قبل أن يدبّ النزاع في أقطار الإسلام بسبب اختلاف حروف القراءة في القرآن . فكانت تلك الصحف محتملة للأحرف السبعة جميعا ، وموافقة لها جميعا ، ضرورة أنه لم يحدث وقئتذ من النزاع والشقاق ما يدعو إلى الاقتصار على حرف واحد في رأيهم . ولم يثبت أن الصحابة تركوا من الصحف المجموعة على عهد أبى بكر حرفا واحدا فضلا عن ستة حروف ولو كان ذلك لنقل إلينا متواترا ؛ لأنه مما تتوافر الدواعي على نقله تواترا . ثم كيف يفعل عثمان رضى اللّه عنه ذلك وهو الذي عرف أن علاج الرسول لمثل هذا