الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
145
مناهل العرفان في علوم القرآن
في هذا الباب بالظّنّة ، وينافحون عن القرآن بكل عناية وهمة . وحسبك استدلالا على ذلك ما فعل عمر بصاحبه هشام بن حكيم ، على حين أنّ هشاما كان في واقع الأمر على صواب فيما يقرأ ، وأنه قال لعمر تسويغا لقراءته : أقرأنيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لكن عمر لم يقنع ، بل لبّبه وساقه إلى المحاكمة ، ولم يتركه حتى قضى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لهشام بأنه أصاب . قل مثل ذلك فيما فعل أبىّ بن كعب بصاحبه ، وما كان من ابن مسعود وعمرو بن العاص وصاحبيهما . والأحاديث بين يديك عن كثب ، فارجع إليها إن أردت . ( الشاهد السابع ) أنه لا يجوز أن نجعل اختلاف القراءات معركة جدال ونزاع وشقاق ، ولا مثار تردد وتشكيك وتكذيب ، ولا سلاح عصبيّة وتنطع وجمود على حين أن نزول القرآن على سبعة أحرف إنما كانت حكمته من اللّه التيسير والتخفيف والرحمة والتهوين على الأمة ، فما يكون لنا أن نجعل من هذا اليسر عسرا ، ومن هذه الرحمة نقمة ! . يرشد إلى ذلك قوله صلّى اللّه عليه وسلّم فيما سبق « فلا تماروا فيه فإنّ المراء فيه كفر » . وكذلك تغير وجهه الشريف عند اختلافهم مع قوله : « إنما أهلك من قبلكم الاختلاف » وضربه في صدر أبىّ بن كعب حين جال بخاطره حديث السوء في هذا الموضوع الجليل . ( الشاهد الثامن ) أن المراد بالأحرف في الأحاديث السابقة وجوه في الألفاظ وحدها لا محالة . بدليل أن الخلاف الذي صوّرته لنا الروايات المذكورة كان دائرا حول قراءة الألفاظ لا تفسير المعاني ، مثل قول عمر : « إذا هو يقرؤها على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم » ثم حكم الرسول أن يقرأ كلّ منهما ، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « هكذا أنزلت » . وقوله : « أىّ ذلك قرأتم فقد أصبتم » ونحو ذلك ولا ريب أن القراءة أداء الألفاظ ، لا شرح المعاني .