الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

140

مناهل العرفان في علوم القرآن

في دائرة لغتهم المرنة ، التي أذعن جميع العرب لها بالزعامة ، وعقدوا لها راية الإمامة . وعلى هذه السياسة الرشيدة نزل القرآن على سبعة أحرف يصطفى ما شاء من لغات القبائل العربية ، على نمط سياسة القرشيين بل أوفق . ومن هنا صحّ أن يقال : إنه نزل بلغة قريش ، لأن لغات العرب جمعاء تمثلت في لسان القرشيين بهذا المعنى . وكانت هذه حكمة إلهية سامية ؛ فإن وحدة اللسان العامّ من أهمّ العوامل في وحدة الأمة ، خصوصا أول عهد بالتوثب والنهوض . ومنها بيان حكم من الأحكام ، كقوله سبحانه : « وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ » قرأ سعد بن أبي وقاص « وله أخ أو أخت من أمّ » بزيادة لفظ « من أمّ » فتبين بها أن المراد بالإخوة في هذا الحكم الإخوة للأم دون الأشقاء ومن كانوا لأب ، وهذا أمر مجمع عليه . ومثل ذلك قوله سبحانه في كفارة اليمين : « فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ » وجاء في قراءة : « أو تحرير رقبة مؤمنة » بزيادة لفظ « مؤمنة » فتبين بها اشتراط الإيمان في الرقيق الذي يعتق كفارة يمين . وهذا يؤيد مذهب الشافعي ومن نحا نحوه في وجوب توافر ذلك الشرط . ومنها الجمع بين حكمين مختلفين بمجموع القراءتين ، كقوله تعالى : « فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ . وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ » قرئ بالتخفيف والتشديد في حرف الطاء من كلمة « يطهرن » ولا ريب أنّ صيغة التشديد تفيد وجوب المبالغة في طهر النساء من الحيض لأن زيادة المبنى تدلّ على زيادة المعنى . أما قراءة التخفيف فلا