الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

134

مناهل العرفان في علوم القرآن

غشينى ضرب في صدري ، ففضت عرقا ، وكأنما أنظر إلى اللّه عزّ وجلّ فرقا فقال لي : يا أبىّ ، أرسل إلىّ أن أقرأ القرآن على حرف فرددت إليه : أن هوّن على أمتي ، فردّ إلىّ الثانية : اقرأه على حرفين ، فرددت إليه : أن هون على أمتي ، فردّ إلىّ الثّالثة : اقرأه على سبعة أحرف ، ولك بكلّ ردة رددتها مسألة تسألنيها . فقلت : « اللهمّ اغفر لأمتي اللهم اغفر لأمتي . وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلىّ الخلق كلهم حتى إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم » . ا ه واعلم أن معنى قول أبىّ بن كعب رضى اللّه عنه « فسقط في نفسي من التكذيب الخ » أن الشيطان ألقى إليه من وساوس التكذيب ما شوّش عليه حاله ، حين رأى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قد حسّن القراءتين وصوّبهما على ما بينهما من اختلاف ، وكانتا في سورة واحدة هي سورة النحل على ما رواه الطبري . وكأنّ الذي مرّ بخاطره وقتئذ أنّ هذا الاختلاف في القراءة ينافي أنه من عند اللّه . لكنه كان خاطرا من الخواطر الرديئة التي لا تنال من نفس صاحبها منالا ، ولا تفتنها عن عقيدة ، ولا يكون لها أثر باق ولا عمل دائم . ومن رحمة اللّه بعباده أنه لا يؤاخذهم بهواجس النفوس وخلجات الضمائر العابرة . ولكن يؤاخذهم بما كسبت قلوبهم ، حين يفتح الانسان للشبهة صدره ، ويوجه إليها اختياره وكسبه ، ثم يعقد عليها فؤاده وقلبه . قال القرطبي « فكان هذا الخاطر ( يشير إلى ما سقط في نفس أبىّ ) من قبيل ما قال فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين سألوه : إنّا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به . قال : أوقد وجدتموه ؟ قالوا : نعم . قال : ذلك صريح الإيمان » . رواه مسلم ا ه . ومن هذا تعلم أن ما خطر لسيدنا أبي بن كعب رضى اللّه عنه ، لا يمسّ مقامه