الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

126

مناهل العرفان في علوم القرآن

ونظيره أن يقال لك ( كلّم فلانا في واقعة معينة ) فتقول ( واللّه لا أكلّمه أبدا ) فإنك لا تحنث إذا كلمته في غير تلك الواقعة ، لأن العرف يحكم أيضا بأنك تريد عدم تكليمه في خصوص تلك الواقعة لا مطلقا . ويمكن أن تنظم من هذا قياسا استثنائيّا يقول : لو لم تكن العبرة بخصوص السبب ، لكان من قال ( واللّه لا أتغدّى ) ولم يقل ( عندك ) ، في إجابته من قال له ( تغدّ عندي ) حانثا إذا تغدّى عند غيره . لكن التالي باطل ، لنص الفقهاء على عدم حنثه حينئذ ، فبطل المقدم ، وثبت نقيضه ، وهو المطلوب . دليل الملازمة أن كلمة ( لا أتغدى ) شاملة للتغدى عند المخاطب وعند غيره ، لأنّ حذف المعمول يؤذن بالعموم . وقد جاءت هذه الكلمة على سبب وهو دعوة المخاطب إياه للغداء فلو أخذنا بعموم هذا اللفظ ، وأهملنا خصوص هذا السبب ، لكان يحنث بغدائه عند غيره ، لأنه فرد من أفراد ذلك العام . والجواب : أن التخصيص بالسبب هنا لم يجيء من نفس السبب ، إنما جاء من قرينة خارجة هي حكم العرف بأنّ حالف مثل هذه اليمين إنما يقصد عدم التغدّى عند من دعاه وحده . ولا كلام لنا في ذلك ، لأن التخصيص بالقرينة الخارجة محلّ وفاق كما تقدم . « الشبهة الخامسة » يقولون : إن التطابق بين السؤال وجوابه واجب ، في نظر الحكمة ، وبحكم قانون البلاغة . وهذا التطابق لا يستقيم إلا بالتساوي بين لفظ العام وسببه الخاص . والتساوي لا يكون إلا إذا خصصنا اللفظ العام بسببه الخاص . لا سيما إذا وقع ذلك في كلام الشارع الحكيم ، وجاء في أرقى نصوص البلاغة وواحدها إعجازا ، وهو القرآن الكريم .