الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

124

مناهل العرفان في علوم القرآن

تساوت أفراد السبب وغيرها مما اندرج تحت ذلك العامّ ، فإذا جاء مخصص جاز أن يخرج أفراد السبب . ويجاب بإبطال الملازمة ، ومنع أن أفراد العام متساوية . وسند المنع أن الإجماع منعقد على أن أفراد السبب تمتاز عن غيرها بأنها لا تخرج بالتخصيص . فإن تساوت هي وأفراد غير السبب دخولا ، فلن يتساوى الجميع خروجا . وإذن يبقى العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، للأدلة السابقة . « الشبهة الثانية » يقولون : إن الرواة نقلوا أسباب النزول واهتموا بها وبتدوينها . ولا فائدة لذلك إلا ما نذهب إليه من وجوب قصر العام على أفراد سببه الخاص . وهذا معنى أن العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ . والجواب : أنه لا وجه لكم في أن تجعلوا فائدة نقل الأسباب هي قصر العامّ على أفراد سببه ، فإن لأسباب النزول والإحاطة بها علما عن طريق نقل الرواة فوائد عدّة ، ومزايا جمة ، وذكرناها في مطالع هذا المبحث . وهي غير ما ذكرتم ، فارجعوا إليها إن شئتم . ويمكن أن ننظم من ذلك قياسا استثنائيا أيضا هكذا : لو لم تكن العبرة بخصوص السبب لما نقله الرواة واهتموا ببيانه وتدوينه لكن التالي باطل بالحس والمشاهدة ، فثبت نقيض المقدم وهو أن العبرة بخصوص السبب دليل الملازمة أنه لا يفهم لنقل الرواة وعنايتهم ببيان الأسباب فائدة غير التخصيص . والجواب أننا نمنع دليل الملازمة ، كيف ؟ ولأسباب النزول فوائد متعددة قد قصصناها عليك أول هذا المبحث . فحذار أن تنسى . « الشبهة الثالثة » يقولون : إن تأخير البيان عن وقوع الواقعة وتوجيه السؤال في العام الوارد على سبب يدلّ على أن العبرة بخصوص السبب ، لأن تأخير لفظ الشارع إلى ما بعد حدوث سببه ، يفهم منه أن السبب هو الملحوظ وحده للشارع في الحكم عليه بهذا اللفظ العام النازل فيه ، وإلّا لما ربطه بالسبب ، بل لأنزله قبله ، أو أخّره عنه .