الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
114
مناهل العرفان في علوم القرآن
شبهة وجوابها وإذا استشكل على تكرار النزول بأنه عبث ما دامت الآية قد نزلت قبل ذلك السبب الجديد ، وحفظها الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم واستظهرها الحفاظ من الصحابة ، ويمكن الرجوع إليها من غير حاجة إلى نزولها مرة أخرى . ( فالجواب ) أن هناك حكمة عالية في هذا التكرار ، وهي تنبيه اللّه لعباده ، ولفت نظرهم إلى ما في طىّ تلك الآيات المكررة من الوصايا النافعة ، والفوائد الجمة ، التي هم في أشدّ الحاجة إليها . فخواتيم سورة النحل التي معنا مثلا ، نلاحظ أن الحكمة في تكرارها هي تنبيه اللّه لعباده أن يحرصوا على العمل بما احتوته من الإرشادات السامية في تحرّى العدالة ، وضبط النفس عند الغضب ، ومراقبة الخالق حتى في القصاص من الخلق ، والتدرّع بالصبر والثبات . والاعتماد على اللّه والثقة بتأييده ونصره ، لكل من اتقاه وأحسن في عمله ، جعلنا اللّه منهم أجمعين آمين . أضف إلى هذه الحكمة ما ذكره الزركشي آنفا من أن تكرار النزول تعظيم لشأن المكرر ، وتذكير به خوف نسيانه . 6 - تعدّد النازل والسبب واحد قد يكون أمر واحد سببا لنزول آيتين أو آيات متعددة « على عكس ما سبق » ولا مانع من ذلك ، لأنه لا ينافي الحكمة في إقناع الناس ، وهداية الخلق ، وبيان الحق عند الحاجة ، بل إنه قد يكون أبلغ في الإقناع وأظهر في البيان . مثال السبب الواحد تنزل فيه آيتان ، ما أخرجه ابن جرير الطبرىّ والطبرانىّ وابن مردويه عن ابن عباس قال : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم جالسا في ظلّ شجرة فقال : « إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان ، فإذا جاء فلا تكلّموه . فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق العينين ، فدعاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : علام