الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

93

مناهل العرفان في علوم القرآن

عن معاوية بن أبي سفيان . قال ابن كثير : « هذا أثر مشكل ، ولعله أراد أنه لم ينزل بعدها آية تنسخها ولا تغيّر حكمها بل هي مثبتة محكمة » ا ه وهو يفيد أنها آخر مقيد لا مطلق . العاشر : أن آخر ما نزل هو سورة « إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ » رواه مسلم عن ابن عباس . ولكنك تستطيع أن تحمل هذا الخبر على أن هذه السورة آخر ما نزل مشعرا بوفاة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . ويؤيده ما روى من أنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال حين نزلت : « نعيت إلىّ نفسي » وكذلك فهم بعض كبار الصحابة . كما ورد أن عمر رضى اللّه عنه بكى حين سمعها وقال : « الكمال دليل الزوال » ويحتمل أيضا أنها آخر ما نزل من السور فقط ، ويدل عليه رواية ابن عباس : آخر سورة نزلت من القرآن جميعا « إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ » . تلك أقوال عشرة ، عرفتها وعرفت توجيهها ، ورأيت أن الذي تستريح إليه النفس منها هو أن آخر القرآن نزولا على الإطلاق قول اللّه في سورة البقرة : « وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ » وأن ما سواها أواخر إضافية أو مقيدة بما علمت ، لكن القاضي أبا بكر في الانتصار يذهب مذهبا آخر إذ يقول : « هذه الأقوال ليس فيها شئ مرفوع إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكلّ قال بضرب من الاجتهاد وغلبة الظن ، ويحتمل أن كلا منهم أخبر عن آخر ما سمعه من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في اليوم الذي مات فيه أو قبل مرضه بقليل ، وغيره سمع منه بعد ذلك وإن لم يسمعه هو » ا ه وكأنه يشير إلى الجمع بين تلك الأقوال المتشعبة بأنها أواخر مقيدة بما سمع كل منهم من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وهي طريقة مريحة ، غير أنها لا تلقى ضوءا على ما عسى أن يكون قد اختتم اللّه به كتابه الكريم .