الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

88

مناهل العرفان في علوم القرآن

إذ سمعت صوتا من السماء ، فرفعت بصرى قبل السماء ، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض فجثثت حتى هويت إلى الأرض ، فجئت أهلي ، فقلت : زمّلونى فزمّلونى . فأنزل اللّه تعالى « يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنْذِرْ . وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ . وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ . وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ » قال أبو سلمة والرجز : الأوثان ا ه قلت : وجثثت على وزن فرحت معناه ثقل جسمي عن القيام ، وسببه فزع الرسول وخوفه عليه الصلاة والسلام . فظاهر هذه الرواية يدلّ على أن جابرا استند في كلامه على أن أول ما نزل من القرآن هو المدثر ، إلى ما سمعه من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يحدث عن فترة الوحي ، وكأنه لم يسمع بما حدّث به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الوحي قبل فترته ، من نزول الملك على الرسول في حراء بصدر سورة اقرأ « كما روت عائشة » فاقتصر في إخباره على ما سمع ظانّا أنه ليس هناك غيره ، اجتهادا منه ، غير أنه أخطأ في اجتهاده بشهادة الأدلة السابقة في القول الأول ، ومعلوم أن النص يقدّم على الاجتهاد ، وأن الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال ، سقط به الاستدلال ، فبطل إذا القول الثاني وثبت الأول . القول الثالث : أن أول ما نزل هو سورة الفاتحة . وقد استدلّ أصحاب هذا الرأي بما رواه البيهقي في الدلائل بسنده عن أبي ميسرة عمر بن شرحبيل أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال لخديجة « إني إذا خلوت وحدى سمعت نداء ، فقد واللّه خشيت على نفسي أن يكون هذا أمرا » . قالت : معاذ اللّه ، ما كان اللّه ليفعل بك ، إنك لتؤدى الأمانة ، وتصل الرحم ، وتصدق الحديث . فلما دخل أبو بكر ذكرت خديجة حديثه له وقالت : أذهب مع محمد إلى ورقة . فانطلقا فقصّا عليه فقال : « إذا خلوت وحدى سمعت نداء خلفي يا محمد يا محمد ، فأنطلق هاربا في الأفق » . فقال : لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول . ثم ائتني فأخبرني . فلمّا خلا ناداه