الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
85
مناهل العرفان في علوم القرآن
المبحث الرابع في أول ما نزل ، وآخر ما نزل من القرآن مدار هذا المبحث على النقل والتوقيف . ولا مجال للعقل فيه إلا بالترجيح بين الأدلة ، أو الجمع بينها فيما ظاهره التعارض منها . ومن فوائد الإلمام بأول ما نزل وآخره ، تمييز الناسخ من المنسوخ فيما إذا وردت آيتان أو آيات على موضوع واحد ، وكان الحكم في إحدى هذه الآيات يغاير الحكم في الأخرى . ومن فوائده أيضا معرفة تاريخ التشريع الإسلامي ، ومراقبة سيره التدريجي ، والوصول من وراء ذلك إلى حكمة الإسلام وسياسته في أخذه الناس بالهوادة والرفق ، والبعد بهم عن غوائل الطفرة والعنف ، سواء في ذلك هدم ما مردوا عليه من باطل ، وبناء ما لم يحيطوا بعلمه من حق . يضاف إلى هاتين الفائدتين فائدة ثالثة : هي إظهار مدى العناية التي أحيط بها القرآن الكريم ، حتى عرف فيه أول ما نزل وآخر ما نزل ، كما عرف مكّيّه ومدنيّه ، وسفريّه وحضريّه ، إلى غير ذلك . ولا ريب أن هذا مظهر من مظاهر الثّقة به ، ودليل على سلامته من التغيير والتبديل . « لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ » وليس من غرضنا في هذا الباب أن نتحدّث عن أول ما نزل وآخر ما نزل في كل تعليم من تعاليم الإسلام ، فتلك غاية بعيدة المدى ، ومجهود طويل جدير أن يفرد بالتأليف ، وله مواضع أخرى يمكن طلبه منها . إنما الميسور لنا أن نحدّثك عن أمرين : أحدهما : أول ما نزل من القرآن على الإطلاق ، وآخر ما نزل منه على الإطلاق ، وهذا هو المقصود المهمّ . الثاني : نماذج من أول ما نزل في بعض الأحكام التشريعية وآخر ما نزل منها ، أي أوائل وأواخر إضافية مخصوصة ومقيّدة ببعض الأحكام .