محمد الأمين الأرمي العلوي
37
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن
هلاكهم كأنها خلفهم . أو المعنى : ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ ؛ أي : ما أمامكم من أمر الآخرة ، فاعملوا لها ، فإنهم مستقبلون لها وَما خَلْفَكُمْ من أمر الدنيا ، فلا تغتروا بها ، فإنهم تاركون لها . وقيل : ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ ؛ أي : ما مضى من الذنوب وَما خَلْفَكُمْ ؛ أي : ما بقي منها . وقيل غير ذلك . وما قدمناه أولى ؛ لأن اللّه تعالى خوّف الكفار بشيئين : أحدهما : العقوبات النازلة على الأمم الماضية . والثاني : عذاب الآخرة . وقوله : لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ إما حال من واو اتَّقُوا ؛ أي : اتقوا حالة كونكم راجين أن ترحموا ، أو غاية لهم ؛ أي : اتقوا كي ترحموا فتنجوا من ذلك ، لما عرفتم أن مناط النجاة ، ليس إلا رحمة اللّه . وجواب إِذا محذوف ؛ أي : أعرضوا عن الموعظة ، حسبما اعتادوه ، وتمرنوا عليه ، وزادوا مكابرة وعنادا ، كما دلت عليه الآية الثانية ، أعني : قوله : إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ . وَما نافية تَأْتِيهِمْ تنزل إليهم مِنْ : مزيدة لتأكيد العموم آيَةٍ تنزيلية ، كائنة مِنْ تبعيضية آياتِ رَبِّهِمْ التي من جملتها هذه الآيات الناطقة بما فصل ، من بدائع صنع اللّه ، وسوابغ آلائه الموجبة للإقبال عليها ، والإيمان بها إِلَّا كانُوا عَنْها متعلق بقوله : مُعْرِضِينَ والجملة حال من مفعول تأتي ، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال ؛ أي « 1 » : وما تأتيهم آية من آيات ربهم ، في حال من الأحوال ، إلا حال إعراضهم عنها ، على وجه التكذيب والاستهزاء . ويجوز أن يراد بالآيات : ما يعم الآيات التنزيلية والتكوينية ، فالمراد بإتيانهم : ما يعم نزول الوحي ، وظهور تلك الأمور لهم . والمعنى : ما يظهر لهم آية من الآيات الشاهدة بوحدانيته تعالى ، وتفرده بالألوهية ، إلا كانوا تاركين النظر الصحيح فيها ، المؤدي إلى الإيمان به تعالى . فكل ما في الكون فهو مركز صفة من صفاته تعالى ، وسر من أسرار ذاته .
--> ( 1 ) روح البيان .