محمد الأمين الأرمي العلوي

34

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن

تعالى : وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وقيل : تعريفه للعهد الخارجي ، والمراد : فلك نوح عليه السلام ، المذكور في قوله : وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا ، فيكون المعنى : أنا حملنا ذريتهم ؛ أي : أولادهم إلى يوم القيامة ، في ذلك الفلك المشحون منهم ، ومن سائر الحيوانات التي تعيش في الماء ، ولولا ذلك لما بقي للآدمي نسل ولا عقب . وخلقنا لهم من مثله ؛ أي : مما يماثل ذلك الفلك في صورته وشكله من السفن والزوارق والبواخر ، قاله الحسن ، والضحاك ، وأبو مالك . قال النحاس : وهذا أصح ؛ لأنه متصل الإسناد عن ابن عباس . فإن قلت « 1 » : فعلى هذا لم لم يقل : حملناهم وذريتهم مع أن أنفسهم محمولون أيضا ؟ قلت : إشارة إلى أن نعمة التخليص عامة لهم ولأولادهم إلى يوم القيامة . ولو قيل : حملناهم لكان امتنانا بمجرد تخليص أنفسهم من الغرق ، وجعل السفن مخلوقة للّه تعالى مع كونها من مصنوعات العباد ، ليس لمجرد كونها صنعتهم بإقدار اللّه تعالى وإلهامه ، بل لمزيد اختصاص أهلها بقدرته تعالى وحكمته ، حسبما يعرب عنه قوله تعالى : وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا . والتعبير عن ملابستهم بهذه السفن بالركوب ؛ لأنها باختيارهم ، كما أن التعبير عن ملابسة ذريتهم ، بفلك نوح ، بالحمل ، لكونها بغير شعور منهم واختيار . وأما قوله تعالى في سورة المؤمنين : وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ ( 22 ) فبطريق التغليب . وجعل بعضهم المعنى الثاني أظهر ؛ لأنه إذا أريد بمثل الفلك : الإبل لكان قوله : وَخَلَقْنا لَهُمْ إلخ ، فاصلا بين متصلين ، لأن قوله : وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ متصل بالفلك . واعتذر عنه في الإرشاد بأن حديث خلق الإبل في خلال الآية بطريق الاستطراد ، لكمال التماثل بين الإبل والفلك ، فكأنها نوع منه . والمعنى : ومن آيات « 2 » قدرته الدالة على رحمته بعباده ، أن جعل أولادهم يركبون السفن الموقرة ، بسائر السلع التي ينقلونها من بلد إلى آخر ، ليستفيدوا مما

--> ( 1 ) روح البيان . ( 2 ) المراغي .