محمد الأمين الأرمي العلوي
32
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن
وَكُلٌّ والتنوين فيه عوض عن المضاف إليه ، الذي هو الضمير العائد إلى الشمس والقمر ؛ أي : وكلهم ؛ أي : وكل من الشموس والأقمار . والجمع باعتبار التكاثر العارض لهما بتكاثر مطلعهما ، فإنّ اختلاف الأحوال يوجب تعددا ما في الذات ، أو العائد إلى الكوكب فإن ذكرهما مشعر بها . فِي فَلَكٍ مخصوص معين من الأفلاك السبعة . والفلك : مجرى الكواكب ومسيرها ، وتسميته بذلك لكونه كالفلك ؛ أي : فلك المغزل . وقال الشوكاني : والفلك : هو الجسم المستدير أو السطح المستدير أو الدائرة . والخلاف في كون السماء مبسوطة أو مستديرة معروف . والجار والمجرور متعلق ب يَسْبَحُونَ ؛ أي : كل من الشموس والأقمار أو كل من الكواكب السيارة يسيرون في فلك خاص به ، وهو سماء الدنيا للقمر ، والرابعة للشمس . والمعنى : يسيرون بانبساط وسهولة ، لا مزاحم لهم سير السابح في سطح الماء . وجوز التعبير عنهم بضمير العقلاء ، نسبة السباحة التي هي من أوصاف العقلاء إليهم . فائدة : قال في « فتح الرحمن » : إن قلت : كيف نفى اللّه تعالى الإدراك للقمر عن الشمس ، دون عكسه في قوله : لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ؟ قلت : لأن سير القمر أسرع ؛ لأنه يقطع فلكه في شهر ، والشمس لا تقطع فلكها إلا في سنة ، فكانت جديرة بأن توصف بنفي الإدراك لبطء سيرها ، والقمر خليقا بأن يوصف بالسبق لسرعة سيره . ثم ذكر سبحانه وتعالى نوعا آخر مما امتن به على عباده من النعم ، فقال : وَآيَةٌ لَهُمْ ؛ أي : علامة عظيمة لأهل مكة ، أو لكفار العرب أو للكفار على الإطلاق ، الكائنين في عصر محمد عليه السلام ، على كمال قدرتنا . وهو خبر مقدم لقوله : أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ ؛ أي : أنا حملنا أولادهم الكبار الذين يبعثونهم إلى تجاراتهم فِي الْفُلْكِ ؛ أي : في السفينة . وهو هاهنا مفرد بدليل وصفه بقوله : الْمَشْحُونِ ؛ أي : المملوء منهم ومن غيرهم أو المعنى : حملنا صبيانهم ونساءهم الذين يستصحبونهم . وتخصيص الذرية بمعنى الضعفاء الذين يستصحبونهم في سفر البحر ، مع أن تسخير البحر والفلك نعمة في حق أنفسهم أيضا ، لما أن