محمد الأمين الأرمي العلوي

24

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن

علمهم ذلك بطريق الإجمال بنحو قوله : وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ، ليستدلوا بذلك على عظمة الخالق ، وسعة ملكه ، وجلالة قدره . والخلاصة : تنزه ربنا خالق هذا الخلق العظيم ، من نبات وحيوان وإنسان ، وخالق ، ما لا نعلم مما لا ندرك كنهه ولا نعلم حقيقته عن كل نقص لا يليق بجليل عظمته . وفيه الدليل على عظيم قدرته ، وواسع ملكه . وَآيَةٌ لَهُمُ ؛ أي : علامة عظيمة لأهل مكة على كمال قدرتنا . وهو مبتدأ ، خبره قوله : يَعْلَمُونَ المظلم ، كأنه قيل : كيف كان آية ؟ فقيل : اللَّيْلُ ونزيل ، وننزع ، ونكشط مِنْهُ ؛ أي : من الليل النَّهارَ المضيء ؛ أي : نزيل ضوء النهار ونكشفه عن مكان الليل ، ونلقي ظله بحيث لا يبقي معه شيء من ضوئه ، الذي هو شعاع الشمس في الهواء . مستعار من السلخ ، وهي إزالة ما بين الحيوان وجلده من الاتصال ، وإن غلب في الاستعمال تعليقه بالجلد ، يقال : سلخت الإهاب بمعنى أخرجتها عنه . قال المرزوقي : دلت الآية على أن الليل قبل النهار ؛ لأن المسلوخ منه يكون قبل المسلوخ ، كما أن المعطي قبل العطاء . فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ ؛ أي : داخلون في الظلام مفاجأة ، فإن ( إذا ) للمفاجأة ؛ أي : ليس لهم بعد ذلك أمر سوى الدخول فيه . وفيه رمز إلى أن الأصل هو الظلمة ، والنور عارض متداخل في الهواء ، فإذا خرج منه أظلم . فعلى هذا المعنى ، كان الواقع عقيب إذهاب الضوء عن مواضع ظلمة الليل هو ظهور الظلمة ، كما كان الواقع عقيب سلخ الإهاب هو ظهور المسلوخ . وأما على معنى الإخراج فالواقع بعده هو الإبصار دون الإظلام ، والمقام حينئذ مقام أن يقال : فإذا هم مبصرون ، لكن لما كان الليل زمان ترح وألم وعدم إبصار ، والنهار وقت فرح وسرور وإبصار ، جعل الليل كأنه يفاجئهم عقيب إخراج النهار من الليل بلا مهلة ، إذ زمان السرور ليس فيه مهلة حكما ، وإن كان ممتدا ، بخلاف زمان الغم ، فإنه كان فيه المهلة ، وإن كان قصيرا ، كما قيل : سنة الوصل سنة ، وسنة الهجر سنة . ولبعضهم : ويوم لا أراك كألف شهر * وشهر لا أراك كألف عام