محمد الأمين الأرمي العلوي

12

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن

كان إلا صيحة . وقدّر الزجاج هذه القراءة بقوله : إن كانت عليهم صيحة إلا صيحة واحدة ، وقدّرها غيره : ما وقعت عليهم إلا صيحة واحدة ، وقرأ عبد اللّه بن مسعود : إن كانت إلا زقية واحدة . والزقية : الصيحة . قال النحاس : وهذا مخالف للمصحف . يا حَسْرَةً يا ندامة عَلَى الْعِبادِ المصرين على العناد تعالي ، فهذا أوانك ووقت ظهورك ، فهذه من الأحوال التي حقّها أن تحضري فيها ، وهي ما دل عليه قوله تعالى : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ، فإن المستهزئين بالناصحين الذين نيطت بنصائحهم سعادة الدارين ، أحقاء بأن يتحسروا ويتحسّر عليهم المتحسرون ، وقد تلهف على حالهم الملائكة والمؤمنون من الثقلين . والمراد « 1 » بالعباد هنا : مكذبو الرسل ؛ أي : يا حسرتهم وندامتهم يوم القيامة ، إذا عاينوا العذاب على تكذيبهم رسل اللّه ومخالفة أوامره . ثم بيّن سبب الحسرة والندامة ، فقال : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ . . . الخ ؛ أي : ما جاءهم رسول إلا استهزءوا به ، وكذبوه ، وجحدوا ما أرسل به من الحق . والخلاصة : أن المستهزئين بالناصحين المخلصين ، المنوط بنصحهم خير الدارين ، جديرون أن يتحسروا على أنفسهم ، إذ فوّتوا عليها السعادة الأبدية ، وعرّضوها لعذاب مقيم ، وكأنه قيل : يا حسرة احضري فهذه شدة لا سبيل للخلاص منها . وقرأ الجمهور « 2 » : بنصب حَسْرَةً على كونها مشابهة بالمنادى المضاف في طولها ، بما تعلق بها من الجار والمجرور ، فكأنه نادى الحسرة وقال لها : هذا أوانك فاحضري ، وقيل : إنها منصوبة على المصدرية ، والمنادى محذوف والتقدير : يا هؤلاء تحسروا حسرة على العباد المكذبين للرسل حين جاءوهم فاستهزءوهم ، وقرأ أبي ، وابن عباس ، وعلي بن الحسين ، والضحاك ، ومجاهد

--> ( 1 ) المراغي . ( 2 ) البحر المحيط والشوكاني بتصرف .