محمد الأمين الأرمي العلوي

18

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن

تعالى قادر على خرق سننه بسنة أخرى ، ككل معجزات الأنبياء ، من انقلاب العصا حية ، ثم عودتها في مدة قصيرة عصا صغيرة كما كانت . عظة وذكرى إنا لنقف قليلا لدى هذين الحادثين الجليلين لنستخلص منهما أمورا هي الغاية في العظة والاعتبار : 1 - أنّ هاتين الرحلتين : الرحلة الأرضية « الإسراء » والرّحلة السماوية « المعراج » حدثتا في ليلة واحدة ، قبل الهجرة بسنة ، ليمحص اللّه المؤمنين ، ويبين منهم صادق الإيمان ، ومن في قلبه منهم مرض فيكون الأول خليقا بصحبة رسوله الأعظم إلى دار الهجرة ، والانضواء تحت لوائه ، وجديرا بما يحتمله من أعباء عظام ، وتكاليف شاقّة من حروب دينية ، وقيام بدعوة عظيمة ، تستتبع همة قعساء ، وإنشاء دولة تبتلع المعمور في ذلك الحين شرقا ، وغربا . 2 - أنّ اللّه تعالى أطلع رسوله على ما في هذا الكون أرضية وسماوية من العظمة والجلال ليكون درسا عمليا لتعليم رسوله بالمشاهدة ، والنظر ، فإن التعليم بالمشاهدة أجدى أنواع التّعليم ، فهو وإن لم يذهب إلى مدرسة ، أو يجلس إلى معلم ، أو يسيح في أرجاء المعمورة ، أو يصعد بالآلات العلمية إلى السماء ، فقد كفل له ربه ذلك بما أراه من آياته الكبرى ، وما أطلعه عليه من مشاهدة تلك العوالم الّتي لا تصل أذهاننا إلى إدراك كنهها ، إلا بضرب من التخيّل والتوهم ، فأنى لنا أن نصل إلى ذلك ، وقد حبس عنّا الكثير من العلم ، ولم نؤت إلا قليله وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا . 3 - أن ما يجدّ كل يوم من ضروب المخترعات والتوصل بها إلى طي المسافات بوسائل الطيارات ، وقطع المحيطات في قليل الساعات من قارّة إلى قارّة ، ومن قطر إلى قطر ، ليجعلنا نعتقد أنّ ما جاء في وصف هاتين الرحلتين من الأمور الميسورة التي ليست بالعزيزة الحصول أو الأمور المستحيلة . 4 - أن روحانية الأنبياء تتغلب على كثافة أجسامهم ، فما يخيل إلينا من