محمد الأمين الأرمي العلوي
15
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن
الْفاتِحِينَ ؛ أي : خير الحاكمين لإحاطة علمك بما يقع به التخاصم ، وتنزهك عن ابتاع الظلم واتباع الهوى في الحكم . قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ؛ أي : وقال جماعة من أشراف قوم شعيب ممن كفر به لآخرين منهم ؛ أي : قال الرؤساء من قومه للسفلة لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً في دينه إِنَّكُمْ إِذاً في حال اتبعتموه فيما يقول لَخاسِرُونَ ؛ أي : لمغبونون في الدين وفي الدنيا ؛ لأنّه يمنعكم من أخذ الزيادة من أموال الناس . والمعنى : وقال الكافرون من قوم شعيب - وهم الملأ الذين جحدوا آيات اللّه ، وكذبوا رسوله ، وتمادوا في غيهم - لآخرين منهم : واللّه لئن اتبعتم شعيبا فيما يقول ، وأجبتموه إلى ما يدعوكم إليه من توحيد اللّه ، وأقررتم بنبوته . . إنّكم إذا لخاسرون في فعلكم وترككم ملتكم التي أنتم عليها ، وعمموا الخسران ليشمل خسران الشرف والمجد ، إذ بإيثاركم ملته على ملة آبائكم وأجدادكم ، تعترفون بأنّهم كانوا ضالين ومعذبين عند اللّه ، وخسران الثروة والربح بما تحترفونه من تطفيف الكيل والميزان ، وبخس الغرباء أشياءهم . ووصف الملأ أولا بالاستكبار ؛ لأنّه هو الذي جرّأهم على تهديده ، وإنذاره بالإخراج من القرية ، وإشعاره بأنّهم أرباب السلطان فيها ، وثانيا بالكفر ؛ لأنّه هو الحامل على الإغواء وصدهم عن الإيمان ، والأخذ بما جاء به ، ثم عللوا لهم صدهم بأنّ في ذلك لهم مصلحة أيما مصلحة ، وفائدة أيما فائدة . والخلاصة : أنه تعالى وصفهم أولا بالضلال ، ثم وصفهم ثانيا بالإغواء والإضلال . ثم ذكر عاقبة أمرهم وما أصابهم من نكال فقال : فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ؛ أي : الزلزلة الشديدة المهلكة فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ ؛ أي : فصاروا في مساكنهم جاثِمِينَ ؛ أي : منكبين على وجوههم ميّتين . وقد بين سبحانه في سورة الشعراء أنّ اللّه أرسل شعيبا إلى أصحاب الأيكة - وهم إخوة مدين في النسب - . أخرج ابن عساكر ، عن ابن عباس في قوله : كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ قال : كانوا أصحاب غيضة بين ساحل البحر ومدين ، وفي ذلك دليل على أن اللّه أرسله