محمد الأمين الأرمي العلوي
23
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن
وَهُوَ سبحانه وتعالى أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ السالكين صراطه المستقيم ، ففوض أمرهم إلى خالقهم ، فهو العليم بالضال والمهتدي ، ويجازي كلا بما يليق بعمله . وقرأ الحسن وأحمد بن أبي شريح : يضل - بضم الياء - وفاعل يضل ضمير مَنْ ، ومفعوله محذوف ؛ أي : من يضل الناس ، أو ضمير اللّه على معنى يجده ضالا ، أو يخلق فيه الضلال ، وهذه الجملة خبرية تتضمن الوعيد والوعد ؛ لأن كونه تعالى عالما بالضال والمهتدي كناية عن مجازاتهما . ذكره أبو حيان في « البحر » . وبعد أن أبان لرسوله صلى اللّه عليه وسلم أن أكثر أهل الأرض يضلون من أطاعهم ؛ لأنهم ضالون خرّاصون ، وأنه تعالى هو العليم بالضالين والمهتدين . . أمر رسوله وأتباعه بمخالفة أولئك الضالين من قومهم ، ومن غيرهم في مسألة الذبائح وترك جميع الآصار والآثام ، فقال : فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وهذا كلام متفرع من النهي عن اتباع المضلين ، وذلك أنهم كانوا يقولون للمسلمين : إنكم تزعمون أنكم تعبدون اللّه ، فما قتله اللّه أحق أن تأكلوه مما قتلتموه أنتم ، فقال اللّه للمسلمين : فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ؛ أي : إذا كان حال أكثر هؤلاء الناس ما بينته لكم من الضلال ، فكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه من الذبائح ، وهو المذكى ببسم اللّه خاصة ، دون غيره مما ذكر عليه اسم غيره فقط ، أو مع اسمه تعالى ، أو مات حتف أنفه إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ التي جاءتكم بالهدى والعلم مُؤْمِنِينَ وبما يخالفها من الضلال والشرك مكذبين . فصل وقد كان مشركوا العرب وغيرهم من أرباب الملل يجعلون الذبائح من أمور العبادات ، ويقرنونها بأصول الدين والاعتقادات ، فيتعبدون بذبح الذبائح لآلهتهم ومن قدسوا من رجال دينهم ، ويهلون لهم عند ذبحها ، وهذا شرك باللّه ؛ لأنه عبادة يقصد بها غيره تعالى سواء سموه إلها أو معبودا ، أو لم يسموه . وَما لَكُمْ ؛ أي : وأي سبب حاصل لكم أيها المؤمنين في : أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ عند الذبح وأن تأكلوا من غيره ؛ أي : وأي غرض لكم في