محمد الأمين الأرمي العلوي

19

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن

عند اللّه - سبحانه وتعالى ، ولا يريبك جحود أكثرهم وكفرهم ؛ أي : إن أنكر هؤلاء المشركون أن يكون القرآن حقا ، وكذبوا به . . فالذين أعطيناهم الكتب المنزلة من قبله كعلماء اليهود والنصارى . . يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ، ذاك أنهم يعلمون أنه من جنس الوحي الذي نزل على أنبيائهم ، وأن أوسع البشر علما لا يستطيع أن يأتي بمثله مع أن كتبهم تشتمل على بشارات بذلك النبي لم تكن لتخفى على علمائهم في عصر التنزيل ، كما قال تعالى : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ . وقد اعترف بذلك من أنار اللّه بصيرتهم من أهل الكتاب ، فآمنوا وأنكر بعضهم الحق وكتمه بغيا وحسدا ، فباء بالخسران المبين . والخطاب في قوله « 1 » : فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ إما للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، والمراد به غيره على سبيل التعريض كقوله : وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وإما له صلى اللّه عليه وسلم ، والمراد النهي له عن الشك في أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ، فهو من باب التهييج والإلهاب ؛ لأنه صلى اللّه عليه وسلم لم يشك قط ، أو الخطاب لكل من يتأتى منه الامتراء على مثال قوله تعالى : وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ . وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لما « 2 » قدم من أول السورة إلى هنا دلائل التوحيد والنبوة والبعث ، والطعن على مخالفي ذلك ، وكان من هنا إلى آخر السورة أحكام وقصص . . ناسب ذكر هذه الآيات هنا ؛ أي : تمت أقضيته ونفذت أقداره . قاله ابن عباس رضي اللّه عنهما . والمعنى : إن اللّه قد أتم وعده ووعيده ، فظهر الحق وانطمس الباطل . وقال قتادة : كلماته القرآن ؛ أي : تم وعده لأوليائه بنصرهم ، ووعيده لأعدائه بخذلانهم . وقال الزمخشري : في كل ما أخبره به ، وأمر ونهى ، ووعد وأوعد . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر ونافع « 3 » : كلمات بالجمع هنا ، وفي يونس في الموضعين ، وفي المؤمن . وقرأ عاصم وحمزة والكسائي ويعقوب :

--> ( 1 ) المراغي . ( 2 ) البحر المحيط . ( 3 ) زاد المسير .