محمد الأمين الأرمي العلوي

12

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن

طباع البشر في اختيار ما يترجح لدى كل منهم بحسب ما يؤدي إليه فكره وعقله ، ولو شاء اللّه لخلق الايمان في قلوبهم خلقا بحيث لا يكون لهم فيه عمل ولا اختيار ، وحينئذ لا يكونون محتاجين إلى الرسل ، كما أنه لو شاء جعل الآيات مغيرة لطبائع البشر ، وملزمة لهم أن يؤمنوا ، فيكون الإيمان إلجاء وقسرا لا اختيارا وكسبا ، ولكنه لم يشأ ذلك بدليل قوله تعالى : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ . وقيل : الضمير في أَكْثَرَهُمْ عائد على الكفار ، والمعنى : ولكن أكثر الكفار يجهلون « 1 » جهلا يحول بينهم وبين درك الحق والوصول إلى الصواب ، أو يجهلون « 2 » أنه لا يجوز اقتراح الآيات بعد أن رأوا آية واحدة ، أو يجهلون أن كلا من الإيمان والكفر هو بمشيئة اللّه وقدره . وقال الزمخشري : يجهلون ، فيقسمون باللّه جهد أيمانهم على ما لا يشعرون من حال قلوبهم عند نزول الآيات . وقرأ نافع وابن عامر « 3 » : قُبُلًا - بكسر القاف وفتح الباء - ومعناه : مقابلة ؛ أي : عيانا ومشاهدة . قاله ابن عباس ، وقتادة ، وابن زيد ونصبه على الحال . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي : قُبُلًا - بضم القاف والباء - فقال مجاهد وابن زيد وعبد اللّه بن يزيد : جمع قبيل ، وهو النوع ؛ أي : نوعا نوعا ، وصنفا صنفا . وقال الفراء والزجاج : جمع قبيل بمعنى كفيل ؛ أي : كفلا بصدق محمد صلى اللّه عليه وسلم ، والقبيل والكفيل والزعيم والأدين والحميل والضمين بمعنى واحد . وقيل : قبلا بمعنى قبلا ؛ أي : مقابلة ومواجهة ، ومنه قولهم : أتيتك قبلا لا دبرا ؛ أي : من قبل وجهك . وقرأ الحسن وأبو رجاء وأبو حيوة : قُبُلًا - بضم القاف وسكون الباء على جهة التخفيف من الضم - . وقرأ أبي والأعمش قبيلا - بفتح القاف وكسر الباء وياء بعدها - وانتصابه في هذه القراءة على الحال . وقرأ ابن مصرف بفتح القاف وسكون الباء .

--> ( 1 ) الشوكاني . ( 2 ) البحر المحيط . ( 3 ) البحر المحيط .