محمد الأمين الأرمي العلوي
156
تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن ( مقدمة التفسير المسماة نزل كرام الضيفان في ساحة حدائق الروح والريحان )
التحدّي في القرآن ، إنّما هو بنظمه ، وصحة معانيه ، وتوالي فصاحة ألفاظه . ووجه إعجازه : أن اللّه تعالى قد أحاط بكل شيء علما ، وأحاط بالكلام كلّه علما ، فعلم بإحاطته أيّ لفظة تصلح أن تلي الأولى ، وتبيّن المعنى بعد المعنى ، ثم كذلك من أوّل القرآن إلى آخره ، والبشر معهم الجهل ، والنسيان ، والذهول . ومعلوم ضرورة : أنّ بشرا لم يكن محيطا قطّ ، فبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة ، وبهذا النظر يبطل قول من قال : أن العرب كان في قدرتها ، أن تأتي بمثل القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة ، فلمّا جاء محمد صلّى اللّه عليه وسلم صرفوا عن ذلك ، وعجزوا عنه . والصحيح : أنّ الإتيان بمثل القرآن ، لم يكن قط في قدرة أحد من المخلوقين ، ويظهر لك قصور البشر ، في أنّ الفصيح منهم يضع خطبة ، أو قصيدة يستفرغ فيها جهده ، ثم لا يزال ينقحها حولا كاملا ، ثم تعطى لآخر بعده ، فيأخذها بقريحة جامّة ، فيبدل فيها وينقح ، ثم لا تزال بعد ذلك فيها مواضع للنظر ، والبدل . وكتاب اللّه تعالى ، لو نزعت منه لفظة ، ثم أدير لسان العرب ، أن يوجد أحسن منها لم يوجد . ومن فصاحة القرآن : أنّ اللّه جلّ ذكره ، وثناؤه ، ذكر في آية واحدة : أمرين ، ونهيين ، وخبرين ، وبشارتين ، وهو قوله تعالى : وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ الآية ، وكذلك فاتحة سورة المائدة أمر بالوفاء ، ونهى عن النكث ، وحلّل تحليلا عامّا ، ثم استثنى استثناء بعد استثناء ثمّ أخبر عن حكمته ، وقدرته ، وذلك مما لا يقدر عليه إلّا اللّه سبحانه وتعالى . وأنبأ سبحانه : عن الموت ، وحسرة الفوت ، والدار الآخرة ، وثوابها ، وعقابها ، وفوز