الغزالي

248

إحياء علوم الدين

إلى جهنم ، فإنه أشبه بيت بجهنم ، النار من تحت والظَّلام من فوق ، نعود با لله من ذلك ، بل العاقل لا يغفل عن ذكر الآخرة في لحظة ، فإنها مصيره ومستقره ، فيكون له في كل ما يراه من ماء أو نار أو غيرهما عبرة وموعظة ، فإن المرء ينظر بحسب همته فإذا دخل بزاز ونجار وبناء وحائك دارا معمورة مفروشة فإذا تفقدتهم رأيت البزاز ينظر إلى الفرش يتأمل قيمتها ، والحائك ينظر إلى الثياب يتأمل نسجها ، والنجار ينظر إلى السقف يتأمل كيفية تركيبها ، والبناء ينظر إلى الحيطان يتأمل كيفية إحكامها واستقامتها ، فكذلك سالك طريق الآخرة لا يرى من الأشياء شيئا إلا ويكون له موعظة وذكرى للآخرة بل لا ينظر إلى شيء إلا ويفتح الله عز وجل له طريق عبرة ، فإن نظر إلى سواد تذكر ظلمة اللحد ، وإن نظر إلى حية تذكر أفاعي جهنم ، وإن نظر إلى صورة قبيحة شنيعة تذكر منكرا ونكيرا والزبانية ، وإن سمع صوتا هائلا تذكر نفخة الصور ، وإن رأى شيئا حسنا تذكر نعيم الجنة ، وإن سمع كلمة رد أو قبول في سوق أو دار تذكر ما ينكشف من آخر أمره بعد الحساب من الرد والقبول . وما أجدر أن يكون هذا هو الغالب على قلب العاقل ! إذ لا يصرفه عنه إلا مهمات الدنيا ، فإذا نسب مدة المقام في الدنيا إلى مدة المقام في الآخرة استحقرها إن لم يكن ممن أغفل قلبه وأعميت بصيرته ومن السنن أن لا يسلم عند الدخول ، وإن سلم عليه لم يجب بلفظ السلام بل يسكت إن أجاب غيره ، وإن أحب قال : عافاك الله . ولا بأس بأن يصافح الداخل ويقول : عافاك الله لابتداء الكلام ، ثم لا يكثر الكلام في الحمام ، ولا يقرأ القرءان إلا سرا . ولا بأس بإظهار الاستعاذة من الشيطان ويكره دخول الحمام بين العشاءين وقريبا من الغروب ، فان ذلك وقت انتشار الشياطين ولا بأس بأن يدلكه غيره ، فقد نقل ذلك عن يوسف بن أسباط : أوصى بأن يغسله إنسان لم يكن من أصحابه ، وقال إنه دلكني في الحمام مرة فأردت أن أكافئه بما يفرح به وإنه ليفرح بذلك . ويدل على جوازه ما روى بعض الصحابة : « أنّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلم [ 1 ] نزل منزلا في بعض أسفاره فنام على بطنه وعبد أسود يغمز ظهره ، فقلت : ما هذا يا رسول الله ؟ فقال إنّ النّاقة تقحّمت بي »